محمد جواد مغنية

241

في ظلال نهج البلاغة

خير بكل ما فيه ، ولأنه خير فهو يصدق برسالات من سبقه من الأنبياء ، ويبارك من الأديان والتقاليد والأنظمة والشرائع - كل ما فيها من خير يصلح شأنا من شؤون الحياة ، ويشبع حاجة من حاجات الناس ، سواء أكانت تلك الأنظمة والتقاليد قديمة أم جديدة ، شرقية أم غربية . . ولا يهم الاسم والشكل ، ولا الطقوس والمراسيم ما دام الجوهر محفوظا ومصونا . ان قيم الاسلام لا ينكرها عالم على وجه الأرض إلا إذا كان في قلبه مرض ، لأن أمر الانسانية لا يستقيم بدونها ، وهي كافية وافية لسد حاجاتها المادية والروحية ، والمسلمون في غنى بدينهم وشريعتهم عن استيراد الشرائع والمباديء . . ولكن ليس معنى هذا أن الخير بشتى صوره وأنواعه وقف على دين من الأديان ، أو على قوم دون قوم ، فإن كثيرا من الأنظمة فيها جهة خير وجهة شر ، والإسلام يلتقي معها في هذه ، ويفترق عنها في تلك ، وأيضا قد يلتقي غير المسلم مع الإسلام في بعض الجهات من حيث لا يشعر ويريد . . قال الشيخ محمد عبده : قد تجد في أوروبا « مسلمين » بغير إسلام ، وفي البلاد الاسلامية « إسلاما » بغير مسلمين . وقال الفيلسوف والشاعر الشهير محمد إقبال : « ان الإسلام يتفق مع الشيوعية في أنه ضد الرأسمالية والإقطاع والملوك والقياصرة . . ولكن هذه المباديء موجودة في القرآن ، ولا حاجة للمسلمين ان يلتمسوها في كتاب آخر . . أنا لا أعتقد ان الروس بطبيعتهم شعب غير متدين ، بل على العكس ، وموقفهم من الدين حالة طارئة ، ولا يمكن أن يدوم نظام ويقوم على الإلحاد . . أما لينين فإنه حين انتقل إلى عالم الآخرة انكشف الغطاء عن عقله ، وآمن باللَّه ، واعتذر اليه بأنه قد عمي عنه تعالى لأنه عاش في عالم يستغل الضعيف ، ويستعبد الشعوب ، وترتفع فيه البنوك على المعابد » ( 1 ) . ونسي إقبال ان الايمان في الآخرة لا يجدي شيئا . وبعد ، فإن الدين والوطن والمال كل أولئك للَّه وحده ، ولا شيء لقيصر : * ( « لِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما فِيهِنَّ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * - 120 المائدة » . وإذا كان المال للَّه ، والناس عبيد له ، وعيال عليه فالمال - اذن - بينهم بالسوية إلا مالا اكتسبه من اكتسبه بكد اليمين وعرق الجبين ، أو ورّثه هذا العامل لأهله وأولاده . . حتى المال الذي يكتسبه علي بكد يمينه وعرق جبينه - يقسمه بين الناس

--> ( 1 ) - من دراسة قيمة عن اقبال للأستاذ محمد عودة في جريدة الجمهورية المصرية ت 27 - 4 - 1972 .