محمد جواد مغنية

224

في ظلال نهج البلاغة

الدعوة الخادعة عن اسرارها قامت قيامة الخوارج ، وقالوا للإمام : أخطأت . . فذكرهم بتحذيره ، ولكن أبوا إلا هكذا كما هو شأن المارق المعاند . ( واللَّه لئن أبيتها - إلى - صحبته ) . الضمير في أبيتها يعود إلى الحكومة ، والمعنى ليست الحكومة واجبة ولا بمحرمة ، ومن قبلها يجوز له العدول عنها ، وإذن فللإمام ان يقبلها وأن يرفضها ، بل له أن يقبلها ثم يردها ، وبالعكس حسبما يقتضيه واقع الحال ، ولا خلاف بين المذاهب أن تصرف الولي منوط بالمصلحة وجودا وعدما . . وقد روى السنة عن النبي ( ص ) انه أحل المتعة ، ثم حرمها ، بل قال الشافعي : لا أعلم شيئا أحله اللَّه ثم حرمه ، ثم أحله ، ثم حرمه إلا المتعة . . نقل هذا عنه ابن قدامة في « كتاب المغني » ج 6 ص 645 ط 3 . وإذا صح هذا في المتعة صح في غيرها بطريق أولى ، وفي سائر الأحوال فإن الإمام أمير المؤمنين ( ع ) هو المحق ، وعلى الناس أن يسمعوا ويطيعوا لحديث : علي مع الحق ، والحق مع علي . ومن الذين رووه الترمذي في صحيحه ، والحاكم في مستدركه « باب فضائل الإمام » ، كما في كتاب « دلائل الصدق للمظفر » . ( فلقد كنا مع رسول اللَّه ( ص ) - إلى - الجراح ) . إذا كان صاحب العقيدة يضحي بنفسه من أجلها فبالأحرى أن يضحي بولده ووالده للذب عنها . . هذا ، إلى أن الإسلام أمر بجهاد الظالم قريبا كان أم غريبا ، ان التسامح والغفران جائز في كل شيء إلا في حلال اللَّه وحرامه . وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 56 . ( ولكنا انما أصبحنا إلخ ) . . اتفقت المذاهب الاسلامية قولا واحدا على أنه إذا اقتتلت طائفتان من المسلمين فعلى الذين ليسوا طرفا في النزاع أن يصلحوا بينهما ، فإن أصرت الفئة الباغية على موقفها وجب ردعها بالقوة عملا بقوله تعالى : * ( « وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ الله ) * - 9 الحجرات » . ثم اختلف علماء المذاهب في أن الفئة الباغية التي أصرت على البغي ووجب قتالها للردع : هل تخرج بذلك عن دين الاسلام . والصحيح ان من أصر على الباطل لشبهة دخلت عليه فهو مسلم ، له ما للمسلمين ، وعليه ما عليهم إلا إذا نصب العداء لأهل البيت ( ع ) لأنه في ذلك يعاند القرآن في قوله الصريح : * ( « قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * - 23 الشورى » والأحاديث الكثيرة المتواترة . ولأن الحدود تدرأ بالشبهات عبّر الإمام عن الذين دخلت عليهم الشبهة من أهل الشام ، عبّر عنهم