محمد جواد مغنية

202

في ظلال نهج البلاغة

والحياة الأفضل ، أما انحطاط المسلمين فلا سبب له إلا انحرافهم يمينا أو يسارا عن الخط الذي رسمه لهم رسول اللَّه ( ص ) . ( لو تعلمون ما أعلم مما طوي عنكم غيبه ) . طوي عنهم ما خبأه الدهر لهم من التنكيل والهوان على أيدي الأمويين وجلاوزتهم ، وما يلاقونه غدا من غضب اللَّه وهول الحساب والجزاء ( لخرجتم - إلى - غيرها ) . لو كشف الغطاء للمجرمين عن مصيرهم لضاقت عليهم الأرض بما رحيت ، وخرجوا عن أهلهم وأموالهم ، بل وعن أنفسهم لو استطاعوا ، وانقطعوا إلى ربهم منيبين مستجيرين ، ولكن شاءت حكمته تعالى أن يحجب علم ذلك عن عباده كي يستحقوا الثواب اختيارا لا استكراها . ( لكنكم نسيتم - إلى - أمركم ) أي ان الأهواء والأغراض تغلبت على عقولكم وأعمتكم عن الحق الذي بيّنه اللَّه لكم ، وعن سوء العاقبة التي حذركم منها ، فاندفعتم وراء ما تشتهون لا تلوون على شيء ، وأي وزن لمن يكون رقا لشهواته ومنهوما بملذاته ( ولوددت ان اللَّه فرق بيني وبينكم ، وألحقني بمن هو أحق بي منكم ) . الطيب يود صحبة الطيبين ، والخبيث صحبة الخبيثين . . وقد عاشر الإمام رسول اللَّه ( ص ) حوالي ثلاثين عاما ، ثم عاشر من بعده أهل الكوفة ، وابتلي بالناكثين والمارقين والقاسطين ، فيحق له - وهذه هي الحال - أن يتلهف على الماضي ، ويتبرم من الحاضر ، ويقول - حين استشهد بسيف الغدر - مسرورا من أعماق قلبه : « فزت ورب الكعبة » ولو عاشر بعد الرسول الأعظم ( ص ) قوما من أهل اللَّه وطاعته لهان عليه الخطب ، وكان بهم سعيدا وهم به أولى وأسعد . وكأن سائلا يقول : ومن هم أحق بك يا أمير المؤمنين . فأجاب ( قوم واللَّه ميامين إلخ ) . . لهم صدق في الرأي ، ومضاء في العزيمة ، وصبر في الحرب ، لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . . ولكن أين هم الآن . لقد كانوا في القديم ، ثم مضوا إلى اللَّه وكرامته ( أما واللَّه ليسلطن عليكم غلام ثقيف الذيال الميال ) . يشير إلى ظلم الحجاج وتنكيله بأهل العراق ، وأصل الذيال من ذال فلان إذا تبختر وجر ذيل ثوبه على الأرض ، والميال الجائر الظالم ، كما في شرح ابن أبي الحديد .