محمد جواد مغنية
192
في ظلال نهج البلاغة
للمنبر - حول الدين والحياة : ( إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه ، وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم ، فذروا ما قلّ لما كثر ، وما ضاق لما اتسع ) . إن الشريعة بطبيعتها - إلهية كانت ، أم وضعية - لا بد أن تجاري الحياة ، وتلبي الحاجات ، لأن هذا هو القصد والهدف الأول منها وإلا انتفى عنها هذا الوصف . . اللهم الا أن نضيفها إلى الفوضى وحياة الغاب . ولكي تحقق الشريعة الاسلامية هذه الغاية بالذات على أتمها شرعت أحكامها على أسس حياتية انسانية ، وأخضعت لها جميع النصوص ، ومن هذه الأسس التكليف بالمقدور : * ( لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) * - 286 البقرة « . والتيسير على الناس : * ( يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) * - 185 البقرة » . وهدايتهم ورعاية مصالحهم : * ( « إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) * - 9 الإسراء » : * ( ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ) * - 104 آل عمران « : * ( » ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها ) * - 106 البقرة « : * ( والله يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ولَوْ شاءَ الله لأَعْنَتَكُمْ ) * - 220 البقرة » . إلى غير ذلك من الآيات التي اعتمد عليها الفقهاء حين أجمعوا قولا واحدا على أنه حيث تكون المصلحة يكون شرع اللَّه . هذا إلى قوله تعالى : * ( يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ) * - 4 المائدة . ومن الأسس الهامة لشريعة الاسلام ان الضرورات تبيح المحظورات ، حتى التلفظ بالكفر شريطة أن يكون القلب مطمئنا بالايمان : * ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه ) * - 173 البقرة . . * ( مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمانِه إِلَّا مَنْ أُكْرِه وقَلْبُه مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ ) * - 106 النحل . وبهذا يتبين معنا ان في حلال اللَّه غنى عن حرامه ، لأن الحلال أوسع وأكثر من الحرام ، وان الله تعالى ما حرم شيئا على الانسان إلا وعوضه خيرا منه . ( وقد تكفل لكم بالرزق وأمرتم بالعمل ) . أمرنا بالعمل لأن الأجر على قدر المشقة ، ولأن ما من شيء يوجد إلا بعرق يصب ، ومجهود يبذل ، فالأرض لا تعطي إلا بعد الحرث والبذر والري ، والمصنع لا يوجد ولا يدور تلقائيا ، أما الذين لا يعملون ويعيشون على حساب الغير فأولئك هم المعتدون على سنن اللَّه وشريعته ( فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله )