محمد جواد مغنية
182
في ظلال نهج البلاغة
وتدل هذه المعركة ان عهد التقليد الأعمى قد ولى أو كاد ، وان راية الحق لا بد أن تعلوا ، ولو بعد حين . . لقد اتفق المسلمون قولا واحدا وقديما وحديثا على أن الجاهل عليه ان يقلد العالم المخلص في الأمور الدينية والزمنية كالطلب والهندسة وإلا انسد عليه باب العمل ، وليس هذا من التقليد الأعمى في شيء ، لأن التقليد الباطل هو أن يقلد الجاهل جاهلا ، والعالم عالما ، أما تقليد الجاهل للعالم فعلى الأصول . واختلف الشيعة والسنة في فتح باب الاجتهاد للأكفاء من غير الأئمة الأربعة . . فقال الشيعة : ان باب الاجتهاد مفتوح لكل كفؤ ، وطريقه مسلوك لكل من تأهل بمؤهلاته من الأولين والآخرين . وقال السنة - على وجه العموم - : كلا ، ان باب الاجتهاد موصود ، وطريقه مسدود بعد الأربعة . . ومن جملة ما رد به الشيعة على السنة أنه على قولهم هذا يجب أن ينحصر أهل الذكر بالأئمة الأربعة في قوله تعالى : * ( وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا ) * - 7 الأنبياء . ولا قائل بذلك حتى من أهل السنة . . وبعد حين من الدهر قال كثير من علماء السنة بمقالة الشيعة ، وعما قريب تجتمع كلمتهم على فتح باب الاجتهاد ، وعلى طول الزمن يحق الحق ، ولا يبقى للاختلاف عين ولا أثر ، ان شاء اللَّه . . وما ذلك عليه بعزيز . ( ما بالكم تفرحون - إلى - تحرمونه ) . أتكثرون الفرح والسرور بالتافه الفاني تنالونه من دنياكم ، ولا تأسفون على الدائم الغالي يفوتكم من آخرتكم ( ويقلقكم اليسير إلخ ) . . لما ذا تذهب نفوسكم أسى على ما فات من الحطام ، فتتغير ألوانكم ، وتفقدون الصبر من أجله ، فهل الحزن يرجع ما قد فات . قيل لبزرجمهر : ما رأيناك تأسف على ما فات ، ولا تفرح بما هو آت . قال : لأن الفائت لا يتلافى بالعبرة ، والآتي لا يستدام بالحبرة . . اني لا أقول لشيء لم يكن ليته كان ، ولا لشيء كان ليته لم يكن . ( وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه إلا مخافة أن يستقبله بمثله ) . أجل ، واللَّه هذا هو دأبنا . . لا نجابة أحدا بعيوبه مخافة أن يجابهنا بالمثل ، لأن فينا ما فيه وزيادة ، ولو وقف الأمر عند هذا لهان بعض الشيء ، بل نثني عليه في وجهه ، ونشجعه على أسوائه ، ثم ننهشه في غيبته ( قد تصافيتم على رفض الآجل ، وحب العاجل ) . هذا وما قبله شرح وبيان للعديد من آيات