محمد جواد مغنية
172
في ظلال نهج البلاغة
إلى الدنيا وزينتها ، ولكن عليه أن يتورع عن حرامها ، وينظر إلى العواقب ، ويقارن بين لذة العاجلة والآلام الآجلة ( ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ، ولا ظهر قاطع ) . سافروا ، ولكن بلا زاد وراحلة . ( فهل بلغكم - إلى - صحبة ) أي ان الحطام الذي نالوه من الدنيا ما فداهم من الموت ، ولا أعانهم عند سكراته ، ولا أحسن صحبتهم حيث تركهم إلى غير رجعة ( بل أرهقتهم - إلى - المنون ) بل كانت الدنيا سببا لأحزانهم وآلامهم ( فقد رأيتم - إلى - الأبد ) ألا تتعظون بمن ركن إلى الدنيا ، وجعلها مثله الأعلى كيف فارقها إلى غير رجعة . ( هل زودتهم - إلى - الندامة ) فارقوا نعيم الدنيا إلى الجوع والضيق والظلام والحسرة والكآبة . ( أفهذه تؤثرون ) أتختارون الدنيا المرهقة ، وتتركون جنة النعيم ( فبئست الدار لمن لم يتهمها ) بالغدر ويحذر من عواقبها ( واتعظوا فيها بالذين قالوا : من أشد منا قوة ) . يشير إلى الآية 15 من سورة فصلت : * ( « فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَولَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً » ) * . ( حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ) . الميت يحمل على الأعواد إلى قبره ، ولكن لا يقال له راكب ، لأنه كالصخرة الصماء ( وانزلوا إلى الأجداث فلا يدعون ضيفانا ) . والواقع انهم في القصور ضيفان ، أما في القبور فإلى يوم يبعثون . ( وجعل لهم من الصفيح أجنان ، ومن التراب أكفان ) . يسكنون الأحجار ، ويلبسون التراب ، لا يغيرون ولا يبدلون ، وهما أي الأحجار والتراب ثابتان حتى تبدل الأرض غير الأرض ، والسماء غير السماء ( ومن الرفات جيران ) عظام بالية تجاور مثلها ( فهم جيرة - إلى - لم يقنطوا ) . الموتى جماد في بطن الأرض لا يشعرون بشيء مما يحدث على ظهرها من خصب أو جذب ، وسلم أو حرب ، ولا بمن يكتب عن حسناتهم أو سيئاتهم ، ولا بمن يبكيهم أو يلعنهم . ( جميع - إلى - لا يتقاربون ) . قبورهم متلاصقة ، ولكن لا أحد يشعر بوجود الآخر ( حلماء قد ذهبت أضغانهم ) . تناحروا على الدنيا حين كانوا من أهلها ، ولما ارتحلوا عنها انقطعت أسباب الشحناء والبغضاء ( وجهلاء - إلى - ظلمة ) . أي ليس من شأنهم أن يحقدوا على أحد ، أو يخاف منهم أحد بعد أن أصبحوا ترابا وعظاما .