محمد جواد مغنية
17
في ظلال نهج البلاغة
بنسب معينة ، وفي مقادير ضوئها وحرارتها وضغطها . . والكائنات الحية تنتقل من طور إلى طور حسب خطة مرسومة ، وأخيرا إلى الموت . . أما الغاية من ذلك فهي في الفلسفة الهندية إبراز عظمة اللَّه في قالب حي من صور الخليقة . وقال جماعة من علماء الكلام : إن المصلحة تعود إلى المخلوقات بالذات . ( المنشىء أصناف - إلى - أناة المتلكىء ) . كما أن ذاته تعالى - بما هي - سبب كاف لوجودها فهي أيضا سبب تام للفيض والايجاد ، يريد سبحانه فيوجد المراد بلا توسط شيء على الاطلاق ، سواء أكان الشيء من نوع الفكر والقريحة أم من نوع التجربة والصنع ، أم غير ذلك . . كيف وهل يستعين بشيء من يخلق الأشياء من لا شيء . ( فأقام من الأشياء أودها ، ونهج حدودها ) . أنشأ سبحانه الموجودات كاملة ، وعلى مقتضى الحكمة من جلب المنافع للخلق ، ودفع المفاسد عنهم . ( ولاءم بقدرته بين متضادها ) كالتلاؤم بين النفس والبدن ، وتأثير كل منهما في الآخر على ما بينهما من التباعد والتفاوت طبيعة وآثارا ، بل لاءم سبحانه بين الحب والبغض ، والرأفة والقسوة ، والحزن والفرح بالنظر إلى أنها صفات لموصوف واحد ( ووصل أسباب قرائنها ) . القرائن جمع قرين ، ويطلق على النفس والعشير والمقارن ، وقال الشيخ محمد عبده وغيره : ان المراد بالقرائن هنا النفوس ، وهي من عالم النور ، وقد وصل سبحانه بينها وبين الأبدان التي هي من عالم الظلمة . . والذي نراه ان المراد بها الأشباه والنظائر ، والمعنى انه ، جلت قدرته ، هو الذي أوجد المقارنة والمشابهة بين الأشياء ، كما أوجد الملاءمة بين الأضداد في جهة من الجهات . ( وفرجها أجناسا مختلفات في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات ) . لا عد ولا حصر للكائنات ما انقرض منها ، وما بقي ، وهي على أجناس وأنواع ، وكل جنس يختلف عن غيره شكلا وطبيعة ، وعمرا وحياة ، وحركة وسكونا ، ونورا وظلاما ( بدايا خلائق أحكم صنعها ) . انه تعالى يخلق النواة والبيضة والنطفة ، ومن النطفة يوجد الحيوان ، ومن البيضة يوجد الطير ، ومن النواة يوجد الشجرة ، توجد هذه وغيرها على أكمل وجه ، وأبدع ما ينبغي أن تكون ، ثم يمدها سبحانه بعونه حتى تؤدي الغاية المطلوبة ( وفطرها على ما أراد وابتدعها ) . أراد وجودها فوجدت كما قدر وأراد ، وعلى غير مثال سابق .