محمد جواد مغنية

155

في ظلال نهج البلاغة

وقتل وشرد الملايين ، وأهلك بأسلحته الكيماوية وغيرها الحرث والنسل ، وأفنى بضربة واحدة مدينة كبرى بمن فيها وما فيها وقرأت فيما قرأت نوعا من العذاب يفوق التصور : يصب الجاني على المجني عليه الزفت والقار ، ويغرس به ريش الدجاج ، ويربط حبلا في عنقه يجره في الشوارع ، ثم يعلقه على المشنقة . . فأين من هذا شريعة الغاب ولو كان من وراء جهنم عذاب أقسى وأشد لكان قليلا بحق هؤلاء الطغاة القساة . ( قد حقر الدنيا - إلى - مقاما ) . في حقر ضمير مستتر يعود إلى النبي ( ص ) . . ان الدنيا التي يبكي لها الباكون ، ويتنافس على حرامها المتنافسون هي أحقر عند اللَّه من جناح بعوضة ، ولذا زواها سبحانه عن نبيّه الكريم ، وأعرض النبي عنها إلا ما سد خلة محتاج وأغاث لهفة ملهوف ، أو كان وسيلة لصالح عام ، وفي خطبة ثانية وصف الإمام رسول اللَّه ( ص ) بقوله : زويت عنه زخارف الدنيا مع عظيم زلفته ، فلينظر ناظر بعقله : أكرم اللَّه محمدا ، أم أهانه . . فإن قال : أهانه فقد كذب . . وان قال : أكرمه ، فليعلم أن اللَّه أهان غيره حيث بسط الدنيا له ، وزواها عن أقرب الناس منه . وفي كتب السيرة النبوية : كان رسول اللَّه ( ص ) في طعامه لا يرد موجودا ، ولا يتكلف مفقودا ، وإذا لم يجد الطعام صبر ، وكان يمر عليه الشهر لا يجد ما يخبزه ، ويمر عليه شهران لا يوقد في بيته نارا - أي لا يطبخ - ومع هذا كان يستعيذ باللَّه من الفقر ، وفي قبضته ثروة الجزيرة العربية ، ولكنه ينفق على المحتاجين كل ما يصل إلى يده إيمانا منه بأن على الحاكم أن لا يشبع وفي رعيته جائع واحد . وبهذه المناسبة أشير إلى أن سيرة المعصومين وأقوالهم تدل بصراحة ووضوح أن على القائد العام دينيا كان أم زمنيا أن يعيش تماما كما يعيش أفقر الناس في مجتمعه ، وفي ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين ( ع ) : « ان اللَّه تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس » . وكلمة « فرض » نص في الوجوب والإلزام ، لا تقبل التأويل والاجتهاد إطلاقا . . وبخاصة في هذا السياق ، ولكن الفقهاء من السنة والشيعة - إلا القليل - تجاهلوا هذا الفرض حرصا على الحياة الدنيا . . أما مظهر الإمام الحسن ( ع ) فهو قضية في واقعة ، لها أسبابها الخاصة . . على أنه كان في واقع حياته أزهد الناس في الدنيا وزينتها ، وأسخاهم بذلا وعطاء .