محمد جواد مغنية

138

في ظلال نهج البلاغة

أجله وحينه لا محالة ، وبهذا التفسير يكون الكلام مرتبطا بما قبله ، ولا وجه لظن ابن أبي الحديد ومن تبعه : انه منقطع وغير مرتبط ( فاستمعوا من ربانيكم ) الذي فهم عن اللَّه ، وعمل بما فهم ، وبلغكم إياه بصدق وإخلاص ، وقد عنى الإمام بهذا الرباني نفسه بالذات . ( واحضروه قلوبكم ، واستيقظوا ان هتف بكم ) . الهاء في احضروه ، والضمير المستتر في هتف يعود إلى كلام الرباني المستفاد من قوله : « فاستمعوا من ربانيكم » . وقيل : يعود إلى الموت ، وعلى أية حال فالمعنى اتعظوا بالعبر ، وانتفعوا بالنذر ( وليصدق رائد أهله ) . ولا يتهاون بأمانتهم ( وليجمع شمله ) بالعمل على وحدة الكلمة ، والتعاون على المصلحة العامة ( وليحضر ذهنه ) أي ان يفكر في مصالح من يقودهم . ( فلقد فلق - إلى - الصمغة ) . الضمير في فلق يعود إلى الإمام ( ع ) والمعنى انه كشف لهم عن كل شيء يحتاجون اليه ، ويعود عليهم بالخير والصلاح ، وما ترك لهم من عذر يتعللون به ( فعند ذلك - إلى - كظوم ) . يدل سياق الكلام على أن كلمة « ذلك » إشارة إلى تثاقل أصحاب الإمام ( ع ) عن أمره ونصائحه ، والمعنى ما دمتم على الحال التي أنتم عليها فسيثب عليكم العدوان من وكره بعد أن كف عنكم وسكن . ( وتواخى الناس على الفجور ) . المؤمن أخو المؤمن أحبّ ذلك أم كره ، وكذلك الكافر والفاجر ، وقديما قيل : شبيه الشيء منجذب اليه . . ان الطيور على أشكالها تقع ، وقيل أيضا : قل لي من تعاشر أقول لك : من أنت ، وروي ان أستاذا خرج بتلاميذه إلى الماء والخضراء ، ولما تحلقوا حوله شرح هذا الحديث : « الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » . فالتفت أحد تلاميذه فرأى حمامة في صحبة غراب ، فقال للأستاذ : انظر : من أين ائتلف هذان وقبل أن يغرق الأستاذ في التفكير من أجل الجواب مشى الغراب والحمامة ، وإذا بهما أعرجان ، فابتسم الأستاذ ، وقال لتلاميذه : من ههنا اتفقا ( وتهاجروا على الدين ) أي من لا دين له يكره أهل الدين تماما ككراهية الخائن للمخلص ، والعاهرة الفاجرة للحرة الطاهرة . ( وتحابوا على الكذب ) كما تعاونوا على الإثم والعدوان ( وتباغضوا على الصدق ) كما اختلفوا على فعل الخير والصالح العام .