محمد جواد مغنية
108
في ظلال نهج البلاغة
( يحسر الحسير ) . يدفع بالضعيف إلى الأمام ( ويقف الكسير ) . يصلح المكسور ( فيقيم عليه حتى يلحقه غايته ) . هذا تفسير وبيان لقوله : « ويقف الكسير » وتوضيحه ان النبي ( ص ) كان يداري ويعالج ضعيف الايمان بالرفق والتلطف تارة ، وبالتأديب باللمحة والنظرة أخرى ، وبكل ما تستدعيه حال المتشكك والمرتاب حتى يزول ما في قلبه ، ويصير من المؤمنين الخلص ( إلا هالكا ) يعاند الحق ويصر على الباطل ( لا خير فيه ) ولا أمل في هدايته ، وكان النبي يحرص على ايمان هذا النوع ، فقال له العليم الحكيم : * ( « وما أَكْثَرُ النَّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) * - 103 يوسف » أي أكثر الناس من الذين تحرص على أن يؤمنوا باللَّه ونبوتك . ( حتى أراهم منجاتهم ، وبوأهم محلتهم ) . ضمير « هم » يعود إلى الذين استمعوا للنبي ( ص ) واقتنعوا برسالته ، والمعنى ان النبي أوضح لهم طريق النجاة والسلامة ، ويسر عليهم سلوكه ، فمضوا عليه بصدق وإخلاص ( فاستدارت رحاهم ) أقبل عليهم الرزق ، وعاشوا في سعة منه ، لأن الرحى تدور على ما تطحن ( واستقامت قناتهم ) قويت شوكتهم ، وامتد سلطانهم في أقطار الأرض بفضل محمد والاسلام . قال المستشرق الألماني « فلهوزن » في « تاريخ الدولة العربية » ص 160 طبعة 1958 : « إن الاسلام وضع الدنيا تحت أقدام العرب ، ولولاه ما كانوا ليصلوا إلى المكانة التي وصلوا إليها » . ( وأيم اللَّه لقد كنت من ساقتها حتى تولت بحذافيرها ) . كان للإمام الحظ الأوفر بعد رسول اللَّه ( ص ) فيما حققه العرب من التقدم في شتى الميادين حيث كان في طليعة المجاهدين يكافح الجاهلية حتى ذهبت بما فيها ، وجاء نصر اللَّه والفتح ( واستوسقت في قيادها ) أي لما ولَّت دعوة الجاهلية تجمعت دعوة الاسلام تحت راية كلمة التوحيد والشهادة برسالة محمد ، وانتشرت في الشرق والغرب . وعلى هذا فالهاء في حذافيرها تعود إلى الجاهلية ، وفي قيادها إلى دعوة الاسلام بدليل السياق حيث لا يستقيم له معنى إلا بهذا التفسير - كما نرى . ( ما ضعفت ، ولا جبنت ، ولا خنت ، ولا وهنت ) . قضى الإمام حياته كلها في جهاد متصل من أجل الإسلام ، وتحمل في هذه السبيل ما يفوق التصور ، ومع هذا صبر وثابر ، وما زاده البلاء إلا ثباتا وإخلاصا ( وأيم اللَّه لأبقرن الباطل