محمد جواد مغنية

9

في ظلال نهج البلاغة

العلم بأن كلام اللَّه قد تفرد بخصائص كثيرة لا يشاركه فيها كلام البشر أيا كان قائله ، وهذه الحقيقة يدركها كل من « كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد » . وأعترف بأني أدركت هذه الحقيقة بعد أن فسرت القرآن الكريم . وبا شرت بشرح نهج البلاغة ، وكنت من قبل أشبه بالمقلد . . بل كان قد عرضت لي شبهة فيها شائبة من الغلو . . ثم زالت إلى غير رجعة بحمد اللَّه ، وفضل النهج وشرحه ، فلقد لمست وأيقنت ، وأنا أشرح النهج ، ان الفرق بين كتاب اللَّه ونهج البلاغة تماما كالفرق بين الخالق والمخلوق ، والرب والمربوب . . ومرة ثانية الحمد للَّه . مواضيع النهج : ومواضيع النهج متنوعة تماما كمواضيع القرآن . فقد تكلم الإمام ( ع ) عن اللَّه وصفاته ، وعن النبوة واليوم الآخر . ومنهجه في إثبات وجود اللَّه تعالى عين منهج القرآن ، وهو الاعتماد على منطق الحس والعقل ، وأعني بمنطق الحس مشاهدة الكون المادي ، وما فيه من صنعة وقصد وحكمة وتدبير يشمل ويعم جميع الكائنات من الذرة إلى أعظم المجرات ، وما لها من أوضاع محكمة وأبعاد محددة تؤدي إلى غايات معقولة . أما منطق العقل فأعني به التفكير الهادىء السليم والتساؤل عن السبب الموجب لهذا النظام والتدبير : هل وجد بلا سبب كيف وهو لا يحمل في ذاته العلة الكافية لوجوده . . هذا ، إلى أن الطبيعة عمياء صماء فكيف تنظم وتتقن واذن فلا محيص من الانتهاء إلى قاصد حكيم ، وقادر عليم يمنح الوجود ، وهو قائم بذاته لا يستمد من غيره وإلا غرق العالم والعقل معه في بحر اللاشيء . . وقد أشار سبحانه إلى هذا المنهج بقوله : « سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق - 53 فصلت » . والمراد بالحق هنا وجود اللَّه سبحانه . وهذا هو منهج الإمام بالذات ، وهو المنهج السوي ، وبه أخذ التجريبيون وعلماء الطبيعة حيث يشاهدون ظواهرها ، ثم يتفرغ واحد أو نفر منهم للبحث في ظاهرة من الظواهر ، ويتتبع خصائصها وآثارها ، ويمضي في درسها وتحليلها حتى إذا انتهى انتقل من المشاهدة والإدراك المباشر إلى الاستنتاج والحكم العام على أفراد تلك الظاهرة جميعا ما شاهد منها ، وما غاب عنه .