محمد جواد مغنية
66
في ظلال نهج البلاغة
الحكمة الإلهية استدعت إظهاره بمظهر الدوام والاستمرار ، تماما كما لو رأى الطبيب أن من مصلحة المريض الامتناع عن أكل اللحم أسبوعا واحدا ، وأيضا رأى من مصلحته أن لا يعلمه بتحديد الوقت ، فنهاه عن اللحم من غير قيد على هذا الأساس ، وبعد مضي الأسبوع أذن له أن يأكل اللحم . . وعليه ينحصر معنى النسخ في محو ما ظهر من إرادة الدوام ، لا محو الإرادة الواقعية الذي يستلزم البداء والجهل . 4 - ( ورخصه وعزائمه ) . الرخصة لغة اليسر والتخفيف ، وشرعا الإذن للمكلف بفعل ما كان ممنوعا عنه ، الإذن له بذلك لسبب موجب كالإذن للمضطر بالأكل من الميتة : * ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه ) * - 173 البقرة . أما المباح في الأصل فلا يسمى رخصة . والعزيمة لغة القصد المؤكد ، وشرعا الإلزام بإيجاب من اللَّه سبحانه . 5 - ( وخاصه وعامه ) . العام يشمل أفراد الموضوع بكاملها مثل * ( كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ) * - 21 الطور . والخاص لا يشمل إلا بعض الأفراد مثل * ( ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) * - 50 آل عمران . 6 - ( وعبره وأمثاله ) . والمراد بعبر القرآن الآيات التي أخبرت عما أصاب أهل الفساد والضلال ، وحذرت من بأس اللَّه وعذابه . والأمثال ما يضرب للتقريب إلى الأذهان كقوله تعالى : * ( مَثَلُ نُورِه كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ) * - 35 النور . أو للترغيب : * ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ) * - 261 البقرة . أو للعبرة والعظة : * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْراً وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ الْقَرارُ ) * - 29 إبراهيم . وغير ذلك . 7 - ( ومرسله ومحدوده ) . المرسل غير المقيد مثل : * ( أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) * - 89 المائدة . والمحدود المقيد * ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) * - 92 النساء . وتجدر الإشارة إلى أن الناسخ والمنسوخ ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والمجمل والمبين ، كل ذلك يدخل في مباحث علم أصول الفقه ، وما كان لهذا العلم عين ولا أثر في ذلك العهد ، وعليه يكون الإمام ( ع ) أول من أشار إلى بعض أبوابه ومباحثه .