محمد جواد مغنية
6
في ظلال نهج البلاغة
وما أبعد تصوري ترك التأليف - عن أمنيتي في ذات يوم ان ينعم اللَّه عليّ ، وأنا في القبر ، بمكتبة ودواة وقرطاس . . اقرأ وأفكر وأسجل ، وان دل هذا التناقض على شيء فإنما يدل على أن تصورات الانسان وأفكاره تخضع للظروف التي تحيط به ، والدنيا التي يعيشها ، وليس من شك اني حين تمنيت مكتبة القبر كنت سعيدا فيما كتبت أو قرأت ، وكان الباب مغلقا عليّ ، لا أحس بشيء من حولي . هذا من فضل ربي : وأيضا كنت من قبل إذا أنجزت مؤلفا قلت في نفسي : « هذا من فضل ربي » . . وصادف في ذات يوم أن مررت ببناية شاهقة باسقة - في شارع من شوارع بيروت - وفوق مدخلها صخرة من رخام ، كتب عليها بخط كبير وعميق : « هذا من فضل ربي » . . فقلت - أيضا - في نفسي : وما يدريك أن يكون هذا من سخط له تعالى ونقمته ، لا من فضله ورحمته أما هدد سبحانه وتوعد بعض أرباب الأموال والأولاد بقوله : « فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون ان ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون - 56 المؤمنون » . وقوله : « انما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين - 178 آل عمران » ومن هنا انطلق بي التفكير فيما كتبت وأذعت ، وتساءلت : وأنا أيضا ما يدريني ان مؤلفاتي وما تدره عليّ من حق التأليف - قد بعثت في نفسي الزهو والغرور من حيث لا أحس وأريد وأي فرق بين حانوت أو عقار ، وبين كتاب أو مقال يدر كلّ على صاحبه الفلوس والنقود ثم هل غيّرت كتبي - وهي بالعشرات - شيئا من الأوضاع الفاسدة ، أو اهتدى بها أحد في شأن من شؤون الحياة ، ونقلته من حال إلى حال : أو أوجدت آلة تدور عجلتها لإنتاج مأكل أو ملبس أو أي شيء لخير الانسان ، أو انها حركت وجدان الجماهير ودفعت بهم إلى الثورة ضد الظلم والطغاة وأية جدوى من المؤلفات والخطب والمقالات إذا لم يهتد بها الناس في أزماتهم وقضاء حاجاتهم كل هذه التساؤلات أو التصورات جاءت من وحي الآية وصخرة البناية . .