محمد جواد مغنية

58

في ظلال نهج البلاغة

ما هي الفطرة ( ليستأدوهم ) . أي ليطلب الأنبياء من الناس الأداء والعمل بموجب ( ميثاق فطرته ) . وفي الآية 30 من سورة الروم : * ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) * . وتسأل : ما هو المراد بالفطرة في هذه الآية الكريمة ، وفي قول الإمام ( ع ) . هل المراد العقلية البدائية مع العلم بأن هذه العقلية تقبل التناقضات ، والإيمان بالأساطير والخرافات - كما ثبت في علم الاجتماع - أم المراد بالفطرة ان هناك قوة غامضة تفرض الحق على قلب الانسان وشعوره . . وهذا خلاف الحس والوجدان . . ولو صح ما اختلف في الحق اثنان . . أو المراد بالفطرة الشعور الذاتي الذي يحسه الانسان من نفسه ، ولا يعرف له مصدرا ولا تفسيرا كالواخز الذي يشعر به حين يفعل أو يحاول أن يفعل قبيحا مع علمه ويقينه بأن ما من أحد يطلع عليه ، أو يمكن أن يطلع . . ونحن نعلم أن وخز الضمير يكون - في الغالب - انعكاسا عن تقاليد المجتمع ومقاييسه ، أو عن الايمان باللَّه واليوم الآخر . . أو المقصود بالفطرة مجرد استعداد الانسان لأن يقبل الخير حين يعلم بأنه خير ، ويرفض الشر حين يعلم بأنه شر . الجواب : كل هذه المعاني غير مقصودة من الآية ، ولا من قول الإمام ، ولا من حديث « كل مولود يولد على الفطرة » . . وكنت قد اخترت المعنى الأخير للفطرة أي الاستعداد ، وقرّبته بنحو من الوضوح والتفصيل في « التفسير الكاشف » ج 6 ص 141 . . والآن ، وأنا أشرح « النهج » عدت إلى دراسة الموضوع من جديد ، وبعد النظر والتأمل عدلت عنه ، لأن استعداد الانسان للشر تماما كاستعداده للخير أو أكثر بدليل ان أهل الشر والضلالة أكثر بكثير من أهل الخير والهداية . والذي أراه الآن وفي هذه اللحظة بالذات ان المقصود بالفطرة في الآية الكريمة ، وفي قول الإمام ( ع ) وفي حديث « كل مولود » هو ان نفس الانسان خلقت صحيفة بيضاء لا شيء فيها ، ولا توحي بشيء على الاطلاق ، ولكنها تقبل كل ما يكتب فيها ويرسم سواء أكان وحيا من الرحمن ، أم كان تضليلا من الشيطان . .