محمد جواد مغنية
54
في ظلال نهج البلاغة
جيبها . . وهو اعتناق المسيحية فقط لا غير . ووجد المستعمرون والصهاينة الشفيع والمبرر لطغيانهم وعدوانهم على الانسانية وقيمها ، وجدوا هذا الشفيع عند الكنيسة التي تقول : ان الخطيئة غريزة في طينة الانسان وجبلته . . فإذا ما اعترض معترض على بغيهم وآثامهم قالوا : هذا من صنع اللَّه ، لا من صنعنا . . وكل من ملك استأثر ، وما كفّ أحد إلا لعلة العجز ، ومن أجل هذا ساندت قوى الشر والعدوان الكنيسة بكل ما تملك ، بل وسخّرت لهذه الغاية بعض العمائم التي تقلبت في البلاد ، وأكثرت فيها الفساد . فمنذ عهد قريب خطب معمم ، ونشر في الصحف : ان الأنبياء كغيرهم في الميول والأهواء مستندا إلى ما يظهر من بعض الآيات ، وما تنبه لأهدافه المأجورة إلا قليل . وروي - ولا أستبعد هذه الرواية - ان إرساليات التبشير المسيحي أغرت دارا للنشر بإعادة طبع ونشر كتاب تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى ، واشترت من صاحب الدار العديد من النسخ ، ووزعتها بطريق أو بآخر . . والقصد أن يتنبه الناس لقوله تعالى : * ( وعَصى آدَمُ رَبَّه فَغَوى ) * . وقوله : * ( لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ) * وما إلى ذلك . . أما تأويل الشريف بخلاف الأولى ، وبأن الأمر والنهي منه تعالى في هذا الباب هما للإرشاد فقط ، أما هذا التأويل ونحوه فيتعقله ، ويقتنع به الخاصة المؤمنون دون العامة الذين لا يفهمون من كلمة المعصية إلا المعنى الحقيقي الأصيل . والخلاصة ان الماركسية وقفت في أقصى اليسار حين نفت الطبيعة البشرية الثابتة من الأساس ، ووقفت المسيحية في أقصى اليمين حين اعتبرت الخطيئة طبيعة وعقيدة ، أما الاسلام فقد وقف موقفا وسطا بين الماركسية والمسيحية : ولم يربط العقيدة بهذه المسألة من قريب أو بعيد ، بل أشار إلى طبيعة الانسان من باب التعريف والإرشاد إلى الواقع ، وان كل مولود يولد على الفطرة الصافية ، والتربية هي التي تكدره وتلوثه . . أما قوله تعالى : * ( وآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ) * - 34 إبراهيم . ونحوه من الآيات فقد أجابوا عنه بأن هذا الحكم على الانسان إنما هو بالنظر إلى بعض أفراده ، لا بالنظر إلى طبيعته وجنسه ، وقلنا في « التفسير الكاشف » ج 4 ص 213 : ان الإسلام ينظر إلى الانسان من خلال عقيدته وسلوكه بصرف النظر عن طبيعته ، وعلى هذا الأساس وحده يحكم عليه بأنه صالح أو طالح ، طيب أو خبيث .