محمد جواد مغنية

52

في ظلال نهج البلاغة

وأقدم على عذاب جهنم ، ولعنة اللَّه ولعنة اللاعنين ، وهان عليه كل شيء إلا الخضوع والسجود لآدم ، والتنازل عن كبريائه . إن اللَّه سبحانه يقبل التوبة من إبليس إذا تاب وأخلص ، وأيضا إبليس على أتم الاستعداد لأن يتوب ويخلص ، ولكن بشرط أن لا يأمره اللَّه ثانية بالسجود لآدم ، أو لقبره - على الأصح - واللَّه سبحانه لا يقبل التوبة إلا بهذا الشرط . ومن دعي إلى خير ، وقال : أستجيب لكل شيء إلا لهذا ، لأن فيه إعزازا لزيد أو مسا بشخصيتي فهو على مبدأ إبليس ومقلد له ، أراد ذلك أم لم يرد . هذه بعض العبر والعظات في قصة إبليس مع آدم ، وعلينا أن نقرأها ، ونكرر قراءتها بتدبر وإمعان ، والعاقل من اتعظ بالغير ، وانتفع بالعبر . ( ثم أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه ، وآمن فيها محلته ) . وكل نعيم دون الجنة فهو محقور ( وحذره إبليس وعداوته ) . * ( إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوه عَدُوًّا ) * - 6 فاطر . ( فاغتره عدوه ) . أي ان إبليس غرر بآدم . وقال الشيخ محمد عبده : انتهز إبليس من آدم غرة فأغواه ، وكل من التفسيرين صحيح . والغرة - بكسر الغين - الغفلة ( نفاسة عليه بدار المقام ) . أي حسدا لآدم على الخلود في الجنة ( ومرافقة الأبرار ) . وهم الملائكة . ( فباع اليقين بشكه ) . أي نقض اليقين بالشك . والمراد باليقين هنا علم آدم بالنهي عن الشجرة . والمراد بالشك ان آدم بعد أن كان على يقين من أن النهي حتم وإلزام - احتمل ان هذا النهي لغير الحتم والإلزام ، وإبليس هو الذي أوحى اليه بهذا الاحتمال . . هذا ما يدل عليه سياق الكلام وظاهره ، أو ما نفهمه نحن ( والعزيمة بوهنه ) . أي ضعفه الذي أدى به إلى نقض اليقين بالشك ، وهو تفسير لقوله تعالى : * ( ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَه عَزْماً ) * - 115 طه . ( واستبدل بالجذل ) الفرح ( وجلا ) الخوف ( وبالاغترار ندما ) . وهكذا عاقبة التفريط ( ثم بسط سبحانه له في توبته ) . وفتح باب التوبة حتم ، وسده ظلم ما دام الانسان بطبعه غير معصوم ( ولقاه كلمة رحمته ، ووعده المرد إلى جنته ) . ولكن جعل الطريق إليها محفوفا بالمكاره : * ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ