محمد جواد مغنية

440

في ظلال نهج البلاغة

تدور حول الشمس ، وليس الشمس هي التي تدور حول الأرض ، ويحلف الألوف في عصرنا ان الانسان ما صعد ولن يصعد على القمر . . إلى ما لا يبلغه الإحصاء من الأمثلة . . وإذا كانت هذه هي الحال في المحسوسات فكيف بغيرها من المعقولات والمغيبات . ( واعذروا من لا حجة لكم عليه ، وأنا هو ) . يجب عقلا وشرعا وعرفا على الجاهل أن يقلد العالم فيما يعود إلى اختصاصه ، كالأعمى يقلد البصير في معرفة الطريق ، والمريض يقلد الطبيب في تشخيص الداء ومعرفة الدواء . . والإمام ( ع ) باب مدينة العلم ، والقرآن الناطق يدور معه كيفما دار ، وأيضا يجب على العالم أن يعلَّم الجاهل ، ويبشر وينذر ، وقام الإمام بهذا الواجب ، وأداه بإخلاص ، وعلى أكمل وجه ، والذي وصل إلى الأجيال من حكمه وخطبه ورسائله في هذا الباب هو أقل بكثير مما ضاع ولم يحفظ ، وإذن فلا عذر لأصحابه ، ولا حجة لهم عليه ولا على غيره إن خالفوا وأهملوا ، بل الحجة عليهم للَّه وله ، ثم أكد الإمام هذه الحجة بقوله وخطابه : ( ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر ، وأترك فيكم الثقل الأصغر ) . ويشبه هذا القول الآية 71 من سورة الزمر : * ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ ) * . والمراد بالثقل - بفتح الثاء - الأكبر القرآن الكريم ، والأصغر أهل البيت ، ويطلق الثقل في اللغة على كل نفيس ، وعلَّق الشيخ محمد عبده على قول الإمام ( ع ) بما نصه : « في الحديث عن النبي ( ص ) أنه قال : تركت فيكم الثقلين : كتاب اللَّه ، وعترتي ، وأمير المؤمنين قد عمل بالثقل الأكبر ، وهو القرآن ، وترك الثقل الأصغر ، وهو ولداه » أي الحسن والحسين ( ع ) . ومن قرأ سيره الإمام يجد أنه قد حول آيات القرآن من كلمات تحفظ أو تكتب إلى واقع يحس ويلمس في شخص الإمام وصفاته ، وفي كل خطوة خطاها في سلوكه وحياته ، ولو أن اللَّه خلق القرآن على صورة رجل لكان هذا الرجل علي ابن أبي طالب ، وفيما سبق من شرح الخطب تكلمنا عن الإمام وحديث الثقلين . ( وركزت فيكم - إلى - قولي وفعلي ) . يشير بهذا إلى أنه ما ترك شيئا تتم به الحجة عليهم من بيان الأحكام ووسائل الإقناع إلا وذكره بصراحة ووضوح في أقواله حيث حذر وأنذر ، وفي أفعاله حيث ساوى وعدل ( وأريتكم