محمد جواد مغنية
420
في ظلال نهج البلاغة
البرهان على صحتها : ولا بد أن يكون هذا البرهان صحيحا بالذات ، أو ينتهي إلى برهان كذلك وإلا غرقنا في بحر الجهل والظلمات . ( لا تقع الأوهام له على صفة ) . مهما سمت العقول فلا تبلغ كنه عظمته تعالى ، وإنما تدرك منها بمقدار ما يدل عليها خلقه وآثارها ، وليس من شك ان في الفاعل والخالق صفات لا تظهر ولا يمكن أن تظهر في الفعل والمخلوق ، ومن هنا قيل : العلة أكمل من المعلول ، وتقدم الكلام عن ذلك مرارا ( ولا تعقد القلوب منه على كيفية ) . ليس للَّه سبحانه هيئة وصورة كي تعتقد وتحكم بوجودها العقول وإلا كان شبيها بخلقه ، فتعالى اللَّه الذي ليس كمثله شيء . وعن الإمام الصادق ( ع ) : لا تتكلموا في ذات اللَّه . . وإياكم والتفكير في ذلك . . ولكن انظروا إلى عظيم خلقه ( ولا تناله التجزئة والتبعيض ) . لأن التجزئة من خواص الأجسام ، واللَّه ليس بجسم وإلا افتقر إلى مكان . . وأيضا التجزئة تستدعي التركيب ، والمركب يفتقر إلى أجزائه . . هذا ، إلى أن التجزئة كثرة ، واللَّه واحد ( ولا تحيط به الأبصار والقلوب ) . عطف تفسير على : « لا تقع الأوهام . . ولا تقعد القلوب » . ( فاتعظوا - إلى - البوالغ ) . والموت أظهر الآيات والعبر والنذر حيث يتساوى فيه الملوك والصعاليك ، ولو تساوى الناس في كل شيء كما تساووا في الموت لأحب بعضهم بعضا حتى ولو قال لهم الوعاظ : تباغضوا وتحاسدوا ، ولا أعرف أحدا - إلا من عصم ربك - عمل بهذه الوصية : « أحبب لغيرك ما تحب لنفسك ، واكره له ما تكره لها » وفي ظني أن المراد بهذه الوصية الحث والتأكيد على الإغاثة والعون ( وانتفعوا بالذكر والمواعظ ) : مثل وتعاونوا على البر والتقوى . . ولا تبغ الفساد في الأرض . . فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر اللَّه ، وما أشبه . ( فكأن قد علقتكم مخالب المنية ) . أتاكم الموت بغتة ( وانقطعت منكم علائق الأمنية ) . إذا جاء الموت ذهبت الأمنيات ، وانقطعت العلاقات ( ودهمتكم مفظعات الأمور ) أي شدائدها كسكرة الموت ، وحسرة الفوت ، وهذه أشد عنفا ، وأصعب وطأ ( والسياقة إلى الورد المورود ) أي دهمتكم المنية لتسوقكم إلى القبر ، ثم إلى الحشر والنشر ( فكل نفس معها سائق ) وهو أمر اللَّه ( يسوقها إلى محشرها ) للحساب والجزاء ( وشاهد ) من الأنبياء أو العلماء ، أو من عقل الانسان وأعضائه