محمد جواد مغنية
42
في ظلال نهج البلاغة
فقد تكلموا أيضا عن أصل الانسان وكنهه وتطوره ، وكم مضى عليه من السنين في هذه الأرض ووضعوا في ذلك الكتب والأسفار ، ومع هذا لم يعرفوا عنه إلا القليل . . وصدق من قال : « ان علم الانسان بنفسه ما يزال محدودا ، وربما استطاع أن يعرف عن غيره من الكائنات أكثر مما يعرفه عن أسرار نفسه » . ولنفترض - وان بعد الفرض - ان الانسان يستطيع أن يعرف حقيقته على أتمها جسما وروحا فإنه لا يستطيع ولن يستطيع أن يعرف كيف تم خلق أبيه الأول . . وان ادعى ذلك مدعى طالبناه بالدليل وسألناه : هل دليله التجربة وبالبداهة ان التجربة تعتمد وتقوم على المجهر والتحليل الكيماوي ، وأين هو الانسان الأول حتى يراه الباحثون على شريحة المجهر ، أو يحللوا في مختبراتهم أعضاءه والعناصر التي تألفت منها هذه الأعضاء . . أو ان المدعي يستدل بالعقل . . وليس من شك ان معرفة العقل بأصل الانسان وكيف تم خلقه تماما كمعرفته باسم والدي وحسبه ونسبه ، وبقامته طولا وعرضا . أو يستند المدعي إلى الحفريات . . وقد أعلن أهل الاختصاص أن أحدث الحفريات تقول : ان الانسان كان موجودا على وجه هذه الأرض منذ مليون سنة على التقريب . . وبالبداهة ان هذا شيء ، وأصل الانسان شيء آخر . . وحتى الآن ما تجرأ أحد على الزعم بأنه عثر على رفات آدم أبي البشر وحطامه . . أو أن المدعي يعتمد النقل والرواية . . والشرط الأول في النقل أن يروي ما رأت العين وشاهدت ، وأية عين رأت خلق جدها وأبيها ، بل أية عين رأت خلق نفسها بالذات : « أشهدوا خلقهم - 19 الزخرف » . . « أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون - 35 الطور » . وإذن لا سبيل على الاطلاق إلى العلم بأصل الانسان الأول ، وكيف خلق إلا الوحي من خالق الانسان ، وعلى هذا الوحي وحده اعتمد الإمام ( ع ) عن خلق الانسان وأصله . والانسان سلسلة متصلة الحلقات ، تبتدىء بآدم أبي البشر ، ولا ندري بأي مولود تنتهي . . ولا يختلف مؤمن وجاحد على أن الانسان بجميع أفراده ، من كان منه ومن يكون ، هو من تربة هذه الأرض ومائها وهوائها ، وانه يعيش عليها كضيف مؤقت ، ثم يعود إليها لا محالة . . أبدا لا خلاف في شيء من ذلك ،