محمد جواد مغنية

408

في ظلال نهج البلاغة

يعبر عن اللَّه ، والكائنات ، وبها يبتدئ الوحي والتنزيل ، وفيها تنعكس أفعال الانسان ومشاعره ومقاصده ، وعليها ترتكز العلوم والآداب والفنون . قال عالم قديم : كل ما يتناوله العلم يعبر عنه بالكلمة ، ولا شيء إلا والعلم يتناوله . وتقول النظرية الحديثة : إن اللغة ليست لمجرد التعبير عن أفكار تكونت ، بل هي جزء لا يتجزأ من عملية التفكير وتكوينه . ونقل الدكتور زكي نجيب محمود في كتاب « تجديد الفكر العربي » ان « دي تراسي » قال : « ان تكوين الأفكار وثيق الصلة بتكوين الكلمات ، وان » كوندياك « قال : ان عملية الفكر نفسها مستحيلة بغير اللغة ورموزها » . ومعنى هذا ان الانسان هو الكلمة لأنها جزء من تفكيره الذي به قوامه وكيانه ، ولا شيء أدل على هذه الحقيقة من أن كل ما فعلته الانسانية ، أو فكرت فيه قد ذهب مع الأيام إلا ما حفر فوق الصخور ، أو سطَّر في صفحات الكتب . . وكل ميت إلى النسيان والإهمال إلا من ترك كلمة تنير العقل ، وتحرك الضمير ، وتهدي إلى حياة أحسن . البصر : ونعمة البصر تماما كنعمة البصيرة ، لأن الانسان بعقله وحواسه ، ولولاها لكان أشبه بالجماد لا يميز بين الظلمة والنور . . والحديث عن فائدة البصر نافلة وفضول تماما كالحديث عن فائدة الماء والضياء . وأشار الإمام إلى الغاية من البصر والبصيرة بقوله : ( ليفهم معتبرا ) أي ان اللَّه سبحانه منح الانسان نعمة البصر والبصيرة لينتفع بتجاربه الحسية ، ويهتدي بها إلى معرفة الخطأ والصواب ، والضار والنافع ، فيفعل هذا ، ويبتعد عن ذاك ، وهذا البعد عن الخطأ والضار هو المراد من قوله : ( ويقصر مزدجرا ) . ( حتى إذا قام اعتداله ) . أي انتظمت وتناسبت أعضاؤه ، قال سبحانه : * ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) * - 5 التين . ( واستوى مثاله ) . بلغت قامته من النمو الغاية والنهاية ( نفر مستكبرا ) على آيات اللَّه وأحكامه ، وصدق عليه قوله عز من قائل : * ( كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) * - 35 غافر . ( وخبط سادرا ) . كناية عن جهله وقصور عقله كما وصفه الإمام ( ع ) في مقام آخر : خباط جهالات . . لم يعض على العلم بضرس قاطع ( ماتحا في غرب هواه ) .