محمد جواد مغنية
402
في ظلال نهج البلاغة
وليس في كتاب اللَّه أية إشارة إلى هذا الصراط الدقيق الحطير ، والآيات التي ذكرت كلمة الصراط تدل بصراحة على أن المراد بالصراط طريق الحق والهداية ، ومن أجل هذا اضطر الشيخ الصدوق وغيره من القائلين بالصراط الحسّي - أن يستدلوا بقوله تعالى : * ( وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ) * - 71 مريم . ولم يتضح لدي وجه الدلالة في هذه الآية على الصراط ، ولا العلاقة بينه وبين الورود ، والأصل عدم التأويل ، وأبعد من هذا الاستدلال وأغرب استدلال ابن عربي في الفتوحات المكيّة بقوله تعالى : * ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) * . وغير بعيد أن يكون المراد بالصراط هنا في قول الإمام ( ع ) نقاش الحساب الذي يرهق ويهلك المجرمين والمترفين ووطأة الحساب تشبه وطأة الحريق إلى حد بعيد . وقال زاهد لصاحبه : أتحب انك شجرة ، وتنجو من الحساب قال صاحبه : لا . قال الزاهد : أما أنا فأود اني شجرة تأكلني الراحلة ، ثم تقذفني بعرا ، ولا أكابد الحساب يوم القيامة ، اني أخاف الداهية الكبرى ، وقال تعالى : * ( ووُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيه ويَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) * - 49 الكهف . وعلى أية حال فإن على المؤمن أن يعتقد بالحساب والجزاء العادل ، أما التفاصيل والكيفيات فغير مسؤول عنها . ( فاتقوا اللَّه عباد اللَّه تقية ذي لب شغل التفكر قلبه ) . أعمل فكره في كل آية وعظة ، فتدبرها واتعظ بها . . فكر ذو اللب طويلا لكي يعلم ويعمل على هدى وبصيرة ( وأنصب الخوف بدنه ) . خاف فأطال في مرضاة اللَّه اجتهاده ، وأتعب نفسه وبدنه ليأمن من غضبه تعالى وعذابه ( وأسهر التهجد غرار نومه ) . سهر طويلا يتعبد ويتضرع ، وأفضل أنواع العبادة بلا استثناء العمل لمنفعة الناس والصالح العام ( وأظمأ الرجاء هواجر يومه ) . المؤمن الأصيل يظمأ ويتشوق إلى ما أعد اللَّه له من حسن الثواب ، تماما كالظمآن في شدة الحر يتشوق إلى الماء ، وما طمع المؤمن المخلص بثوابه تعالى وحسن جزائه إلا لثقته باللَّه ووعده ، وبدافع من هذه الثقة أتعب نفسه وبدنه في سبيل مرضاته تعالى ، ولولاها ما عمل ولا رجا .