محمد جواد مغنية

387

في ظلال نهج البلاغة

إذا ، والمعنى بعد أن اطمأن إلى الدنيا غدرت به تماما كالذي علا ظهر الدابة ، ولكنها امتنعت عن السير ، ورفعت يديها في الهواء وطرحتهما تفعل ذلك مرات ، وأطلق الإمام ( ع ) هنا الأرجل على الأيدي تنزيلا لها منزلة الأرجل لأن الدابة تمشي على أربع ، فأشبهت الأيدي الأرجل من هذه الناحية ( وقنصت بأحبلها ) . اصطادت بحبالها ( وأقصدت بأسهمها ) . أي أصابت بها المقتل ( وأعلقت المرء أوهاق المنية ) . ربطت بعنقه حبل المشنقة ( قائدة له إلى ضنك المضجع ) أي ضيق اللحد ( ووحشة المرجع ) وهو المعاد للحساب والجزاء ( ومعاينة المحل وثواب العمل ) . غدا يشاهد الانسان مكانه في الجنة أو النار قبل أن يدخلها . والخلاصة : ما من شيء في الدنيا يسرك إلا وألصق به شيء يسوؤك . ( وكذلك الخلف يعقب السلف ) . هذه هي الحال تجري وتطرد على الآباء والأبناء ( لا تقلع المنية اختراما ) . لا تكف عن إهلاك الناس واستئصالهم ( ولا يرعوي الباقون اجتراما ) . إن الخلف رأى أو سمع ما حل بالسلف ولكنه لم يعتبر ويتعظ ، بل ارتكب الجرائم تماما كما ارتكبوا ( يحتذون مثالا ) . يفعل الأواخر كما يفعل الأوائل ( ويمضون إرسالا ) . يسيرون على رسلهم في طريق السابقين ( إلى غاية الانتهاء وصيور الفناء ) . أي بلغوا الغاية من ارتكاب المعاصي ، واستمروا عليها حتى هلكوا . ( حتى إذا تصرمت الأمور ) أي انقطعت الأعمال في هذه الحياة ، وانسد باب التوبة حيث جاءت الساعة بعلاماتها ودلالاتها ( وتقضت الدهور ) . انتهى عمر الدنيا ، وجاء أجلها المقدر عند اللَّه تعالى ( وأزف النشور ) . قرب البعث وإعادة الأموات إلى الحياة ( أخرجهم - اللَّه - من ضرائح القبور ) وجمع كل ذرة من الأجساد البالية ، وان استحالت إلى تراب أو حيوان أو نبات ( وأوكار الطيور وأوجرة السباع ) . الأوكار والاوجرة كناية عن بطون الطيور والحيوانات المفترسة ، والمعنى ان اللَّه سبحانه يعيد جسم الانسان إلى ما كان حتى ولو كان قد أكله الطير أو الحيوان ، أما شبهة الآكل والمأكول التي أطال الكلام حولها أهل المعقول - فقد أجاب سبحانه عنها بقوله : * ( وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ ) * - 29 الشورى . وتعرضنا في « التفسير الكاشف » لهذه الشبهة بمناسبة ما جاء في الآية 4 من