محمد جواد مغنية

37

في ظلال نهج البلاغة

قال المؤرخون : ان الكلدانيين اشتهروا بعلم الهيئة ، وتوصلوا إلى معرفة الكواكب السبعة السيارة ، وتوارثت الأمم هذه المعرفة عن الكلدانيين جيلا بعد جيل حتى زمن العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ، فخاطبهم عن السماء بما اعتادوا أن يخاطبوا به فيما بينهم . وتسأل : كيف تجمع بين قوله تعالى : « ثم استوى إلى السماء وهي دخان - 11 فصلت » . وبين قول الإمام ( ع ) : ان اللَّه خلق السماوات من زبد الماء وأجابوا بأن المراد بالدخان في الآية الكريمة البخار المتصاعد من الماء بسبب تموجه وشدة حركته ، والزبد عبارة عن بخار كثيف يتصاعد على وجه الماء من حرارة الحركة ، فإذا غلبت عليه الكثافة بقي على وجه الماء وإلا انفصل عنه ، وإذا كان الزبد بخارا في حقيقته وفي أصله ، وأيضا كان المراد بالدخان في الآية البخار - يكون المعنى واحدا ولا اختلاف إلا في التعبير . . هذا ، إلى أنه روى صاحب البحار عن الإمام علي ( ع ) ان سائلا سأله : ممّ خلق اللَّه السماوات فقال : من البخار ، وعليه يكون قوله هذا تفسيرا وبيانا للزبد . ( جعل سفلاهن موجا مكفوفا ) . ما من جرم في السماء إلا وهو في حركة دائمة لا يقف لحظة واحدة ، بل يدور حول نفسه أو غيره ، أو ينتقل كل يوم أو كل شهر أو كل عام من موضع إلى موضع ، ولذا شبه الأجرام السماوية بالموج الدائم في حركته ، وخص بالذكر الجهة السفلى مع أن الجرم يتحرك بكامله ، لأن هذه الجهة يمكن رؤيتها من الأرض ، ولو بواسطة المراصد ، والمراد بالمكفوف الجمود وعدم السيلان . ( وعلياهن سقفا محفوظا ) من الخلل ونحوه ، ويطلق السقف على جهة العلو من كل شيء . وتجدر الإشارة إلى أن التعبير بأعلى وأسفل وفوق وتحت - إنما يصح بالنسبة إلى ما يراه أهل الأرض بأعينهم ، أما الأجرام السماوية السابحة في الفضاء فلا أرض عندها كي توصف بهذه الكلمات الإضافية ، بل كل شيء بالنسبة إليها فضاء ، وعليه يكون وصف السماوات بالأعلى والأسفل تجوزا ، لا حقيقة . ( وسمكا مرفوعا ) . قال سبحانه : * ( رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ) * 27 النازعات . أي رفع أجرام الكواكب فوق رؤوسنا فعدّلها بوضع كل جرم في موضعه الذي به يتماسك ويتجاذب مع غيره من الأجرام ( بغير عمد يدعمها ، ولا دسار ينظمها ) .