محمد جواد مغنية

332

في ظلال نهج البلاغة

كظهوره ووضوح وجوده سبحانه ، لأن آثار العقل تظهر في بعض الأشياء ، أما العلي الأعلى « ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد » . ( لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطانه ) . لأن سلطانه تعالى شديد وقوي بالذات ، والخلق والتشديد أثر من آثار السلطان ، وليس السلطان من آثار التشديد كما هو الشأن بالنسبة إلى غيره ( ولا تخوف من عواقب زمان ) . لأن ذات الواجب يستحيل في حقها التغيير والتعديل ، واذن فمن أي شيء تخاف . بل لا أمان للانسان إلا مع الخوف من اللَّه أصل الأمان والسلام . ( ولا استعانة على ند مثاور ، ولا شريك مكاثر ، ولا ضد منافر ) . ما خلق اللَّه سبحانه شيئا كخط دفاع عن ملكه وسلطانه ، ولا للتفاخر والتكاثر ، ولا لأية مصلحة تعود عليه ، لأنه تعالى في غنى عن كل شيء ، وإليه يفتقر كل شيء . . ان كل ما في الوجود يسير على خطة مرسومة ، والى غاية معينة ، لأن هذا النظام المتناسق المحكم ، وهذه القوانين الثابتة التي تحكم كل شيء من أكبر إلى أصغر جزء ، وتربط كل الموجودات برابط دقيق ومتين - هذه القوانين وهذا النظام يستحيل أن يحدث من غير قصد ، ولا بد لكل قصد أن يهدف إلى غاية تعود إلى من يحتاج إليها ، وينتفع بها ، واللَّه غني عن العالمين . ( ولكن خلائق مربوبون ، وعباد داخرون ) . العالم كله في قبضته تعالى خاضع لأمره ومسبّح بحمده ( لم يحلل في الأشياء فيقال : هو كائن ) . الحلول وجود شيء في شيء ، وهذا مستحيل في حقه تعالى ، لأنه فوق الزمان والمكان ، وقال ابن أبي الحديد : مراد الإمام بالحلول انه تعالى لم ينأ عن الأشياء نأيا مكانيا . . وليس هذا ببعيد ، بل يدل عليه قول الإمام بلا فاصل : ( ولم ينأ عنها فيقال : هو منها بائن ) . وعلى أية حال فإن الغرض الأول والأخير هو أن نؤمن ونوقن بأن اللَّه معنا في السر والعلانية : * ( وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ والله بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * - 4 الحديد . ( لم يؤده خلق ما ابتدأ ، ولا تدبير ما ذرأ ، ولا وقف به عجز عما خلق ) . أنشأ وحكم ، وقدّر ودبر ، وأمات وأحيا ، لا قسرا وقهرا ، ولا لغاية تعود عليه ، وبلا تعب وكلل ، لأنه * ( بَدِيعُ السَّماواتِ والأَرْضِ وإِذا قَضى أَمْراً ) * - 47 آل عمران ( ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدر ) من أين تعرض