محمد جواد مغنية

297

في ظلال نهج البلاغة

والعدالة ، كانوا يرون انه ( ع ) هو الذي يحقق لهم هذه الأمنية ، ويساوي بينهم وبين المترفين والطامحين ، قال الأستاذ أحمد عباس صالح في مجلة « الكاتب » المصرية عدد آذار سنة 1965 : « كان علي في نظر غالبية المسلمين الرجل الوحيد الأقرب إلى روح الإسلام وأصوله الصحيحة » . وإذن فلا بدع إذا أسرعوا اليه وتسابقوا إلى بيعته حين سنحت لهم الفرصة ، وقد وصف الإمام ( ع ) اندفاعهم وتسابقهم بقوله : ( فتداكوا علي تداك الإبل الهيم يوم وردها ) . ولما ذا أسرع أغلبية المسلمين إلى الإمام ، وتزاحموا عليه تزاحم الإبل العطاش على الماء ليبايعوه بالخلافة حتى ظن أنهم قاتليه أو بعضهم قاتل بعض ألأنه عالم تقي ، وشجاع قوي ، أو لأنه ابن عم الرسول وزوج البتول كلا ، لا هذا ولا ذاك ، بل لأنه لهم ولدينهم ودنياهم ، وان الذليل عنده عزيز حتى يأخذ الحق له ، والقوي عنده ضعيف حتى يأخذ الحق منه ، وان الناس في إيمانه وعقيدته كلهم عيال اللَّه ، وان المال مال اللَّه يوزع بالسوية بين عياله . وأشرنا فيما تقدم إلى قوله ( ع ) : ان آدم لم يلد عبدا ولا أمة . وفي ذات يوم جاءته امرأتان تشكوان فقرهما ، فأعطاهما ، ولكن إحداهما سألته أن يزيدها ويفضلها على صاحبتها ، لأنها هي عربية ، وصاحبتها من الموالي ، فأخذ قبضة من تراب ، ونظر فيه وقال : لا أعلم ان اللَّه فضل أحدا من الناس على أحد إلا بالطاعة والتقوى . وقد ينخدع الناس من غير وعي بمداج لا سابقة ولا منقبة له على الاطلاق سوى أنه يتكلم بإصلاح المجتمع ، ويتستر وراء هذا الشعار ، أما إيمان الملايين بمن سبقت له الحسنى في جميع مواقفه منذ يومه الأول والى آخر يوم ، وآثر حياة البساطة مع ضعفة الناس ، ورفض كل امتياز عنهم كالإمام ( ع ) أما ايمان الملايين هذا فيستحيل أن يكون وهما وجهلا . . انه ايمان الوعي والعلم بالحق وأهله . ( وقلبت هذا الأمر بطنه وظهره - إلى - محمد ( ص ) - ) تقدم مثله مع الشرح في الخطبة 43 ( فكانت معالجة القتال أهون عليّ من معالجة العقاب ) . يريد انه لو ترك قتال الناكثين والمارقين والقاسطين لكان مسؤولا أمام اللَّه ومعاقبا بعذابه على الترك ، وليس من شك ان القتال شر ، ولكن المسؤول هو من أثار الشر وفتح بابه . وما ذا يصنع الإمام وغير الإمام إذا لم يجد وسيلة للقضاء على العنف