محمد جواد مغنية
29
في ظلال نهج البلاغة
حقيقة وأثرا ، ولكن كلا منهما لا يقوم بوظيفته إلا إذا اقترن بالآخر ، وهذا ينطبق على كل عملية عضوية في الجسم ذي الأعضاء ، فما من عضو واحد منها يؤدي وظيفته إلا باقترانه مع غيره ، وهكذا سائر الكائنات أو الكثير منها يرتبط بعضها مع بعض بنحو أو بآخر ، وبهذا الترابط الطبيعي يسير الكائن في طريقه المرسوم له ، ويحقق الغاية التي من أجلها وجد . ويعني هذا التلاؤم والترابط انه لا شيء وجد صدفة أو عبثا . . وأين مكان الصدفة والعبث هل هو في هذا النظام المحكم الدقيق الذي يخضع له الكون ولا يتعداه بحال أو هو في التقدير الكمي والكيفي والزمني لكل كائن أو هو في التعاون بين الكائنات على البناء والتعمير أبدا لا تفسير لذلك إلا بوجود القدير الحكيم ، وانه المصدر الأول لكل شيء ايجادا وامدادا ، ولولاه لا شيء على الاطلاق . ( عالما بما قبل ابتدائها ، محيطا بحدودها وانتهائها ، عارفا بقرائنها وأحنائها ) . نحن نعرف شيئا ، وتغيب عنا أشياء ، وأيضا لا نعرف هذا الشيء إلا بعد وجوده ، أو عند وجود أسبابه وعلاماته . ومع هذا نعرف منه الوجه الظاهر ، وتغيب عنا أكثر الوجوه . حتى أنفسنا لا نعرف عنها إلا أقل القليل . وفوق ذلك كله ان معرفتنا القليلة الناقصة لا تحصل إلا بالجد والاكتساب . واللَّه سبحانه يعلم كل شيء على حقيقته ، ومن جميع جهاته : متى يوجد وأين وكيف وما يحدث له وفي أي أمد ينتهي لأنه هو الذي أبدعه وقدره تقديرا . وعلمه بذلك هو هو قبل الخلق وبعده لا تحويل ولا تغيير ، والسبب الأول والأخير هو كماله المطلق بلا قيود وحدود ، ولا بداية ونهاية ، وإلا كان معلولا لا علة ، ومخلوقا لا خالقا . تعالى اللَّه عما يصفون . خلق السماوات فقرة 9 - 13 : ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشقّ الأرجاء وسكائك الهواء فأجرى فيها ماء متلاطما تيّاره : متراكما زخّاره . حمله على متن