محمد جواد مغنية
252
في ظلال نهج البلاغة
ولا نبغيهم شرا . . إن سكتوا تركناهم ، وإن تكلموا حاججناهم ، وإن أفسدوا في الأرض قاتلناهم . نبذوه وكفروه ، وأباحوا دمه ومع هذا يحسن إليهم بالعطاء وبالاعتراف انهم طلاب حق ، ولا يبغيهم شرا ، بل ولا يفرض عليهم سلطانا . . وإذا أفسدوا واعتدوا على حقوق الناس تسقط حرمتهم ، وتكون الحرمة والسلطة عليهم للحق لا لعلي بن أبي طالب . هذه هي سياسته مع الذين كفّروه وحاربوه ، ومع معاوية الذي منعه الماء ، وأبى الإمام أن يمنعه بعد أن تمكن منه ، ومع ابن العاص الذي دافع عن حشاشته بسوءته ، ومع صاحبة الجمل حيث عزّرها وأكرمها . . بل هذه سياسته مع كل الناس لا فرق بين قريب وبعيد ، وعدو وصديق . . ومن هنا قال المتنافسون على المناصب : ان عليا لا يعرف السياسة . . أجل ، انه لا يعرف سياسة البغي والنفاق أو يعرفها ولا يعمل بها ، ولكنه يعرف سياسة العدل والحق والرحمة ، ويدين بها ويعمل ، ولا يحيد عنها . وان كان الثمن النفس والأهل فضلا عن الملك والجاه . المعنى : ( كلمة حق يراد بها باطل ) . المراد بكلمة الحق قول الخوارج : « لا حكم إلا للَّه » . ولا يختلف اثنان من المسلمين في أن تشريع الأحكام ، وجعل الحلال والحرام هو للخالق وحده لقوله تعالى : * ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه ) * - 40 يوسف . وقوله : * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * - 45 المائدة . ولكن الكلام في الباطل الذي أراده الخوارج وهدفوا اليه من هذه الكلمة ، أي شيء هو . وقد بيّن الخوارج أنفسهم الشيء الذي أرادوه من قولهم : « لا حكم إلا للَّه » وهو قبول الإمام فكرة التحكيم ، فقد سألهم ابن عباس : ما ذا ينقمون من أمير المؤمنين فقالوا : تحكيمه الحكمين . وعليه يكون الباطل هو قبول فكرة التحكيم من حيث هي بصرف النظر عن شخصية المحكَّمين . ولكن الظاهر من قول الإمام : ( هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا للَّه ، وأنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر ) . الظاهر من هذا أن الباطل الذي أراده