محمد جواد مغنية
248
في ظلال نهج البلاغة
وهي قوله : « أريد أن أداوي بكم ، وأنتم دائي » . ولا شيء أشد قسوة من داء دواؤه داء . ( ما تنتظرون بنصركم ربكم ) . أي بنصر دين اللَّه وشريعته ، ومن نكص عن نصرة الحق فقد نصر الباطل ، أراد ذلك أم لم يرد ( أما دينكم يجمعكم ، ولا حمية تحمشكم ) . الدين والحمية كلام فارغ في منطق الناس أو أكثرهم من يوم قابيل وهابيل ، والجامع الأول والأخير المصلحة والمنفعة الشخصية ، ولا يغضب للَّه إلا الذين يرجونه ولا يرجون سواه . وقليل ما هم . . ( أقوم فيكم مستصرخا ، وأناديكم متغوثا ، فلا تسمعون لي قولا ، ولا تطيعون لي أمرا ) . لأن أمرك هو أمر اللَّه والحق ، ولو كان أمر الشيطان لسمعوا وأطاعوا ، ومن قبل قال تعالى لنبيه الكريم : * ( فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) * - 52 الروم . ( حتى تكشف الأمور عن عواقب المساءة ) . لا تعرفون نصحي إلا بعد فوات الأوان ، وعندئذ تعضون يد الندامة والكآبة على ما كان من عنادكم وتقصيركم ( فما يدرك بكم ثأر ، ولا يبلغ بكم مرام ) . لأنك - يا مولاي - لا تقتص وتثأر إلا من الباطل وأهله ، ولا تروم إلا الحق وإعلاء كلمته ، ولو كنت من أهل الدنيا لكانوا أطوع إليك من بنانك ( دعوتكم إلى نصرة اخوانكم ) الذين غزاهم معاوية بشياطينه ( فجرجرتم جرجرة الجمل الأسرّ ، وتثاقلتم تثاقل النضو الأدبر ) . إذا كلّ البعير وتعب ردد صوته في حنجرته ، بخاصة إذا كان هزيلا ، وفي ظهره عقر ، ومن فوقه حمل ثقيل ، وكان الإمام إذا دعى أصحابه إلى الجهاد شق ذلك عليهم ، وتضجروا تماما كما يفعل الجمل الهزيل الذي اعتقر ظهره وثقل حمله . ( ثم خرج إليّ منكم جنيد متذائب ضعيف كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) . هذا كل ما ترتب على الوعظ والتحريض ، بل والاستصراخ والاستغاثة : نفر قليل ضعيف مضطرب ، لا يسمن ولا يغني من جوع . وذكر طه حسين السبب المباشر لذلك بقوله : « كان علي لا يستكره أحدا على الحرب . . ولو شاء لجند الناس تجنيدا . . ولو شاء لاستمالهم بالمال ، ولكنه لم يفعل . . وأراد أن ينصروه عن بصيرة وإيمان » . يريد البصيرة والإيمان بالحق