محمد جواد مغنية

244

في ظلال نهج البلاغة

المعنى : ( وانما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق ) . قد يكون الباطل واضحا لا لبس فيه مثل القول : الفوضى خير من النظام ، والفقر نعمة وسعادة . . وقد يلتبس الباطل بالحق لشبه بينهما في جهة من الجهات مثل قول من قال : الانسان مسيّر لا مخيّر ، لأن اللَّه يعلم منذ البداية بسلوكه وجميع تصرفاته ، ويستحيل أن يتخلف علمه تعالى عن المعلوم وعليه يكون الانسان مسيّرا لا مخيّرا . فالقول بأن الانسان مسيّر في أفعاله قول باطل ، وإلا فكيف يحاسب على شيء لا بد من وجوده ، والقول : ان اللَّه بكل شيء عليم هو حق ، وأن علمه لا يتخلف عن المعلوم أيضا حق . . ووجه التشابك والترابط بين فعل الانسان وعلم اللَّه واضح ( 1 ) ومن هنا تسربت الشبهة . . وفي قول الإمام ( ع ) : انما سميت الشبهة إلخ ، دلالة على أن كلمة الشبهة لا تطلق إلا على الباطل . ( فأما أولياء اللَّه فضياؤهم فيها اليقين ) . ضمير « فيها » للشبهة ، والمراد باليقين هنا العلم السليم ، وكثيرا ما يستعمل الإمام ( ع ) كلمة اليقين في العلم ، من ذلك قوله في وصف المتقين : « وإيمانا في يقين » أي في علم ، والمعنى ان الذين يستضيئون بنور العلم حقا - في أمن وأمان من لبس الشبهات والأباطيل ، وهم المرجع في ازاحتها وإبطالها ، ثم أشار إلى مصدر علمهم بقوله : ( ودليلهم سمت الهدى ) ، والمراد بالسمت الطريق والهدى الوحي ، قال تعالى : « ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين - 2 البقرة » أي ان الدليل الذي يعتمدونه لمعرفة الحق وإزاحة الشبهات هو كتاب اللَّه وسنّة نبيه . ( فأما أعداء اللَّه فدعاؤهم فيها الضلال ) . لا شيء عند الأدعياء في إيمانهم بالشبهات إلا الجهالة والضلالة ( ودليلهم العمى ) أي التقليد والرأي الخاطئ والقياس الباطل ، والاستحسان بالأوهام .

--> ( 1 ) أجبنا عن هذه الشبهة في كتاب فلسفة التوحيد والولاية بما يتلخص ان علمه تعالى بفعل العبد كاشف عن وجود الفعل الصادر بإرادة العبد نفسه ، وليس علة لوجود الفعل بما هو ، وبصرف النظر عن اختيار العبد له ، والفرق بينهما واضح تماما كالفرق بين قولك : علمت بأن زيدا سيسافر غدا ، وقولك : لما علمت الآن بأنه سيسافر سافر .