محمد جواد مغنية

217

في ظلال نهج البلاغة

سبحانه : * ( مِنْها خَلَقْناكُمْ وفِيها نُعِيدُكُمْ ومِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ) * - 55 طه خلقنا من الأرض ، واليها نعود ، ثم نخرج منها إلى الحساب والجزاء ، واذن نحن ضيوف موقتون عليها ، ثم ننام طويلا في بطنها ، وبعد السبات العميق ننتبه لنعود إلى اللَّه سبحانه والحساب والجزاء عن آداب تلك الضيافة وواجباتها . وقد سمع اللَّه ان نتمتع من خيرات الدنيا جهد طاقتنا على أن نتزود منها ليوم لا زاد فيه ولا عمل ، فقال : * ( كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) * - 168 البقرة . . * ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً واتَّقُوا الله ) * - 69 الأنفال . ( فهم بين شريد ناد ) . فر بدينه عن الساسة والسياسة ، والفساد وأهله ، ليقطع الطريق على نفسه ، فلا تنزل منازل الفاسدين ، وتتدنس بأقذارهم ( وخائف مقموع ) . خائف من ذنبه ، وعذاب ربه ، ومقهور صبور على المكاره التي حفت بالجنة ( وساكت مكعوم ) . ملجوم عن الباطل والكذب والغيبة والنميمة ( وداع مخلص ) . يدعو إلى اللَّه والحق بدافع من دينه وضميره ( وثكلان موجع ) . حزين لما يرى من الفساد والضلال ( قد أخملتهم التقية ) . طاردهم الطغاة ، فتواروا عنهم حتى خفيت مكانتهم على أكثر الناس . ( وشملتهم الذلة ) . وكل عزيز عند اللَّه ذليل عند أعدائه ( فهم في بحر أجاج ) في محيط فاسد ، وبيئة ضالة ( أفواههم ضامزة ) . ساكتة عن الحرام ( وقلوبهم قرحة ) خوفا من اللَّه ومن انتشار الفساد في الأرض ( قد وعظوا حتى ملوا ) حيث لا اذن تسمع ، ولا قلب يخشع ( وقهروا حتى ذلوا ، وقتلوا حتى قلوا ) . نكل الطغاة بهم سجنا وقتلا وتشريدا وتعذيبا حتى أذلوهم ، وكادوا يستأصلون شأفتهم . ( فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة ) . الدنيا وسيلة إلى غيرها ، وليست غاية في نفسها ، وكل عمل يعمله الانسان في دنياه يقاس بنتائجه إن خيرا فخير ، وإن شرا فشرّ . وقد مدح الإمام ( ع ) الدنيا في بعض أقواله ، ومراده دنيا الأبرار الذين لا يؤثرونها على آخرتهم ، ويقولون : * ( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النَّارِ ) * - 201 البقرة . وأكثر الإمام من ذم الدنيا على قدر المتكالبين عليها ، ومراده دنيا الأشرار الذين آثروا العاجلة على الآجلة ، وهم المعنيون بقوله تعالى : * ( ورَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأَنُّوا بِها والَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا