محمد جواد مغنية
183
في ظلال نهج البلاغة
أساء بما يستحق قال أديب معاصر : « ان من قال : لسنا في حاجة إلى القرآن لنكون على أخلاق هو أشبه بالبقال الذي اكتشف ان حسن المعاملة بضاعة رابحة في حد ذاتها ، وانها تكسب له قلب الزبون وجيبه » . ( فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن الموت ) . قال ابن أبي الحديد : « ما زال علي ( ع ) يقول هذا القول ، ولقد قاله عقب وفاة رسول اللَّه ( ص ) قال : لو وجدت أربعين ذوي عزم . . ذكر ذلك نصر بن مزاحم وكثير من أرباب السير » . وعلى أية حال فإن قوله ( ع ) : « ليس لي معين إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن الموت » . واضح الدلالة على أنه كان يرى أن الخلافة حق له دون غيره ، وان قريشا انتهبوا هذا الحق واغتصبوه ، وانه لو دافع عنه بالقوة لقابلوه بقوة أشد ، وما أبقوا عليه ولا على أهله ، فسكت لا حرصا على نفسه - لأنه لا يبالي بالموت - بل على أهله . . وتكلمنا عن ذلك مفصلا في كتاب « فلسفة التوحيد والولاية » فصل : حول التسنن والتشيع . ( واغضيت على القذى إلى قوله - العلقم ) . تقدم مثله في الشقشقية مع الشرح . ( ولم يبايع حتى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا ) . البائع هو عمرو بن العاص ، والمشتري معاوية بن أبي سفيان ، والثمن مصر . . وكان ابن العاص من أعدى أعداء الرسول ( ص ) آذاه وحاربه وهجاه بسبعين بيتا ، فقال ( ص ) : اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة ، وحرّض على عثمان ، ثم طالب بدمه . وندع الكلام عنه للدكتور طه حسين ، لا لأنه أديب شهير ، أو من السنة ، بل لأنه يقول ما يعتقد ، ويسجل للتاريخ . قال في كتاب « علي وبنوه » : كان عمرو بن العاص قد وجد على عثمان حين عزله عن مصر ، فلما ظهرت الفتنة كان من المعارضين لعثمان ، فكان يؤلَّب الناس ويحرّضهم ما وسعه ذلك ، وقال له جهرة في المسجد : انك قد ركبت بالناس نهابير - أي المهالك - وركبناها معك فتب إلى اللَّه . . وكان عمرو في فلسطين حين جاء النبأ بقتل عثمان فقال : أنا أبو عبد اللَّه ما حككت قرحة إلا أدميتها ، يريد انه قد مهد للفتنة والثورة بعثمان ، فأحكم التمهيد ، وانتهى الأمر إلى غايته . . ولحق عمرو بمعاوية ، وهو على ثقة بأن معاوية ليس على الحق ، وبأن خصمه هو صاحب الحق ، وبأن الانتصار لمعاوية واللياذ به انما هو سبيل الدنيا لا سبيل الدين . . وأيقن معاوية ان عمرا ان