محمد جواد مغنية
142
في ظلال نهج البلاغة
يخلصها ، وابق لنفسي من نفسي ما يصلحها ، وفي رابع : سيدي ان وكلتني إلى نفسي هلكت . . فلا تعرض عني بوجهك الكريم . وكل من عرف نفسه وحقيقته يشعر هذا الشعور ، ومن هنا قيل : « من عرف نفسه عرف ربه » . ومن فقد هذا الشعور فهو أجهل الناس بنفسه وخالقه . ( فهو جائر عن قصد السبيل ) أي مائل عن صراط الحق والانسانية ، وأي امرئ يعمل لمنفعته الخاصة ولا يهتم بمجيئه فقد انحرف عن الصراط القويم ، أما إذا أضر سلوكه بغيره فهو وحش كاسر وحيوان مفترس . . لأن الانسان بما هو انسان يستحيل أن ينتهك حمى الانسانية ، ويعتدي على أخيه الانسان . ( مشغوف بكلام بدعة ، ودعاء ضلالة ) . الضلالة ضد الهداية ، ومن ضل في سعيه خابت آماله ومطالبه ، والبدعة هي العقيدة أو الفتوى التي لا دليل عليها من الكتاب أو السنة أو الاجماع أو العقل ، وهذا البغيض البعيد من رحمة اللَّه مولع بالشهرة والاستطالة ، ومن أجلها يرائي ويدلس ، ويبتدع ويختلق في الدين وشريعة سيد النبيين ، ويدعو إلى الضلال والفساد ( فهو فتنة لمن افتتن به ) . المراد بالفتنة هنا تضليل من صدقه ، وإفساد من وثق به . ( ضال عن هدي من كان قبله ) . وهم الذين أشار إليهم سبحانه بقوله : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه ) * - 90 الأنعامو من دعاء للإمام زين العابدين ( ع ) : اللهم ألحقني بصالح من مضى ، واجعلني من صالح من بقي ، وخذ بي سبيل الصالحين ( مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته ) . ان أخسر الناس صفقة ، وأخيبهم سعيا من ضل عن سبيل الصالحين من قبله ، وكان قدوة للمضللين من بعده . ( حمّال خطايا غيره ) من الذين ترأس عليهم ، ونال الحظوة عندهم بالتدليس والتظاهر بالعلم والتقوى . قال عز من قائل : * ( ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ولَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ) * - 13 العنكبوت . . ( رهن بخطيئته ) . ولا فكاك لهذا الرهن ، ولا ثمن إلا عذاب الحريق . والخلاصة ان أشد الناس عذابا اثنان : الأول أسلس القياد لشهواته وأهوائه ، فمالت به عن الصراط القويم ، وعاش في دنيا الفساد والضلال ، والتدليس والنفاق ، وانخدع به من انخدع من الجهلة وسواد الناس ، فضلّ وأضل ، وتحمل أثقاله