محمد جواد مغنية
11
في ظلال نهج البلاغة
ترى الشمس صغيرة ، ويقول العقل : هي أكبر بكثير مما رأت ، والحق معه ، وإلى هذا أشار الإمام بقوله : « قد تكذب العيون أهلها ، ولا يغش العقل من استنصحه » . وكثيرا ما تكون العين بمعونة العقل مصدرا لمعرفة الحق ، فقد سئل الإمام عن الفرق بين الحق والباطل فقال : الباطل أن تقول : سمعت ، والحق أن تقول : رأيت . . وأيضا يرسل العلماء أحكاما مطلقة على أفراد النوع ما وقع منها في خبرتهم الحسية ، وما لم يقع قياسا لهذا على ذاك ، ولا مبرر لذلك إلا العقل ، وبكلمة : ان معارف الانسان وسلوكه وأقواله وأفعاله وأحكامه بكاملها - ترتبط بالعقل بشكل أو بآخر ، ولو أسقطناه عن الاعتبار لانسد باب المعرفة والحكم على الأشياء بشتى أنواعها . والعقل عند الإمام فطري وكسبي ، والأول ما يدرك به الانسان - بما هو إنسان - إدراكا مباشرا وبلا مقدمات ، وانتقال من معلوم إلى مجهول ، كإدراك الناس كل الناس - العالم منهم والجاهل - ان الشيء الواحد لا يكون موجودا ومعدوما في آن واحد ، ومن جهة واحدة ، أو يوجد في العديد من الأماكن في آن واحد . أما الكسبي فهو عبارة عن حركة الانتقال من معلوم إلى مجهول ، من مشاهد محسوس إلى غائب لازم له ، ولا ينفك عنه ، كالانتقال من رؤية الهرم إلى معرفة الفراعنة وتاريخهم ، ومن رؤية النظام الثابت في الكون إلى معرفة المكوّن والمنظَّم . والعقل الكسبي يثبت الحقائق التجريبية وإليه أشار الإمام بقوله : العقل حفظ التجارب ، وقال : « اعلم الناس من جمع علم الناس إلى علمه . . العلم أكثر من أن يحصى ، فخذوا من كل شيء أحسنه » . وفي هذا رد صريح على من قال ، يجب على المسلمين أن يكتفوا بما عندهم من علم وتراث قديم « ولا يجوز أن يستوردوا أي علم من الخارج » . والعلم عند الإمام وسيلة إلى العمل ، حتى العلم باللَّه فان القصد منه العمل بأمره ونهيه ، وعليه يرتكز الثواب والعقاب ، وبه يستدل على الإيمان . بل العلم عند الإمام بلا عمل خيال زائف ، ومن أقواله « العلم مقرون بالعمل ، فمن علم عمل ، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل » . ونقل الدكتور زكي نجيب محمود عن فريق من الفلاسفة المعاصرين : « ان العلم والعمل موصول أحدهما بالآخر » فإذا وجدت علما مزعوما لا يجيء بمثابة الخطة المؤدية إلى العمل فقل : « انه ليس من العلم في شيء » . وفي هذا المعنى روايات كثيرة عن أهل البيت ( ع ) ذكر