محمد جواد مغنية
109
في ظلال نهج البلاغة
وقال الشيخ محمد عبده : يشير الإمام بقوله هذا إلى أنه لو طلب الخلافة آنذاك لكان كمجتني الثمرة قبل إيناعها ونضوجها . وقال ابن أبي الحديد : يجوز أن يريد بيعة السقيفة . ( فإن أقل - أي أطلب الخلافة - يقولوا حرص على الملك ، وان أسكت يقولوا جزع من الموت ) . ثم ما ذا وان قالوا أليس أكثر الناس أو الكثير منهم على ذلك منذ كانوا . وهل اتفقوا على تصرف واحد من الخالق أو من المخلوق . . وذو الضمير الحي ، والدين المتين يصغي لوجدانه وإيمانه ، ويسخر من كل قول لا يؤمن به ، وان أجمع عليه أهل الدنيا . . وأحمد اللَّه على هذه النعمة ، وهي وسيلتي إلى رضوانه وجنانه . ( هيهات بعد اللتيا والتي ) . أبعد أن ركب عليّ الأهوال والشدائد في بدر وأحد وخيبر والأحزاب وغيرها ، وبارز مرحبا وابن ود ، وبات على فراش النبي ليلة الهجرة ، وبرقت الأسنة ولمعت السيوف من حوله ، ينتظر الموت بين لحظة ولحظة ، أبعد هذا وأكثر من هذا يقال : جزع علي من الموت قال فيلسوف صيني : الانسان أكثر مخلوق مشاكس في العالم ، وقد خلقه اللَّه ، وهو يعلم أنه يخلق كائنا مشاكسا : * ( ولَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ ) * - 54 الكهف . ( واللَّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه ) . واللَّه كل من يعرف : من هو علي بن أبي طالب يقسم معه هذا القسم ، بل كل من يثق ويؤمن بأن له بعد الموت ما لعلي من النعيم والتعظيم عند اللَّه كما وثق وآمن علي بذلك طلب الموت وتعشقه ، وأنس به كما يأنس الطفل بثدي أمه أو أكثر . . وإذن فأين مكان العجب في قول علي هذا ، أو في قوله : فو اللَّه لا أبالي دخلت إلى الموت ، أو خرج الموت إليّ . ( بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة ) . يريد الإمام بهذا العلم أسرار النبي ( ص ) التي خصه بها ، وائتمنه عليها دون غيره ، وقوله : « لو بحت به لاضطربتم » يومئ إلى أن النبي ( ص ) أخبره عن حقيقة بعض الصحابة الذين يظن الناس بهم خيرا وهم عند اللَّه من شرار خلقه . . ومن كان يظن بأهل الجباه السود ، وفيهم من الصحابة ، أن يمرقوا من الدين ، أو يظن بعائشة فراش النبي أن تركب الجمل ، وتحرض