السيد كاظم الحائري

84

فقه العقود

« يسعى بذمّتهم أدناهم » دليل على اعتبار مجموع الامّة كشخصيّة واحدة يمثّلها في إعطاء الذمّة والتأمين كلّ فرد منها . والثاني : الحقوق العامّة والأمور الحسبيّة التي يصحّ للفرد فيها رفع الدعوى إلى الحاكم من عقوبات الحدود ، وإزالة الأذى عن الطريق ، وقمع الغشّ ، والتفريق بين الزوجين المستمرّين على الحياة الزوجيّة بعد البينونة بالطلاق ، وغير ذلك وإن لم يكن للمدّعي في شيء من ذلك علاقة بالموضوع أو ضرر منه يدفعه عن نفسه ممّا يشترط في صحّة الخصومات والدعاوى في الحقوق الفرديّة ، فهذا وأمثاله يدلّ على تصوّر شخصيّة حكميّة لتلك المصلحة العامّة التي يمارس حقّ الادّعاء باسمها . وأمّا ما ذكره من نموذج للاعتراف بكامل المعنى الحقوقي الحديث للشخصيّة الحكميّة في الفقه الإسلامي فهو عبارة عن ثلاثة أمثلة : الأوّل : شخصيّة بيت المال . ففي بيت المال الذي هو خزينة الدولة العامّة جاء الشرع الإسلامي بنظريّة فصل بيت المال العامّ عن مال السلطان وملكه الخاصّ ، فاعتبر الشرع بيت المال جهة ذات قوام حقوقي مستقلّ يمثّل مصالح الأمّة في الأموال العامّة ، فهو يملك ويملك منه وعليه ويستحقّ الزكاة الخالية عن إرث أو وصيّة ، ويكون طرفا في الخصومات والدعاوى ، ويمثّله في كلّ ذلك أمين بيت المال بالنيابة عن السلطان . بل إنّ بيت المال يقسّم إلى أقسام وفروع كلّ منها يعود إلى جهة من الحقوق والنفقات ، ويكاد يعتبر كلّ قسم من أقسامه ذا شخصيّة حكميّة منفصلة عن شخصيّة القسم الآخر ضمن الشخصيّة الكبرى لبيت المال العامّ ، لأنّ لكلّ قسم استحقاقات وأحكاما تخصّه ، فلا ينفق من قسم فيما يعود إلى آخر على سبيل