الشيخ السبحاني
4
نظام المضاربة في الشريعة الإسلامية الغراء
الربا ، فصاحب المال والعامل ينتفعان بعقد المضاربة من الربح الذي يستحصله العامل ، فهذا ينتفع بعمله ، وذاك برأس ماله الذي هو أيضا عمل مضغوط ، كما أنّ ما يقوم به العامل عمل مبسّط ، فما ربما ينقل عن بعض المخدوعين من أنّه لا دور لرأس المال وإنّما الدور كلّه للعمل ، غفلة عن واقع المال ، فإنّ صاحبه ربّما ناله عن طريق العمل شيئا فشيئا حتى بلغ إلى الحالة التي يستعين به العامل في تجارته ، ولو علم الناس ما في المضاربة من الخير والبركة لضربوا عن الربا صفحا . والمضاربة هو المصداق الواضح لقول الإمام أمير المؤمنين - عليه السلام - : « شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزق ، فإنّه أخلق للغنى ، وأجدر بإقبال الحظّ » « 1 » . قد كانت الجزيرة العربية ، في أغلب المناطق ذات أرض قاحلة ولم يكن للزراعة فيها نشاط بارز ، وكان للتجارة هناك دور هامّ خصوصا في أمّ القرى وأطرافها وكانت هي الشغل المهم لسكان هذه المنطقة . يقول الإمام الصادق - عليه السلام - : « كان للعباس مال مضاربة ، فكان يشترط أن لا يركبوا بحرا ولا ينزلوا واديا ، فإن فعلتم فأنتم ضامنون ، فأبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأجاز شرطه عليهم » « 2 » . وقد ضاربت السيدة خديجة - رضي اللّه عنها - ، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وضمّت إليه غلامه « ميسرة » ليخدمه في الطريق ويعينه في العمل ، فرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من سفره إلى الشام بربح وافر ، واشترى لها أجناسا كانت الرغبة إليها في مكّة شديدة ، فأدّى ذلك - وما رأت السيدة خديجة منه من مديريّة فائقة وأمانة محمودة - إلى الخطبة والزواج كما هو مذكور في التاريخ « 3 » .
--> ( 1 ) - الوسائل : 13 ، الباب 7 من أبواب الشركة ، الحديث 1 . ( 2 ) - الوسائل : 13 ، الباب 1 من أبواب كتاب المضاربة ، الحديث 12 . ( 3 ) - السيرة النبوية لابن هشام : 1 / 199 . ولم يكن النبيّ أجيرا قطّ بل كان مضاربا .