الشيخ السبحاني
52
نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغراء
مجالي التكوين والخليقة ، والتشريع والتقنين . ومع أنّ المراد هو تفضيلهم على النساء يقول سبحانه ( بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) ، والمقصود من البعض الأوّل هو الرجال ومن الثاني هو النساء ، والتنوين في « بعض » عوض عن الضمير . وإنّما عبّر بهذا دون أن يصرّح مثل ما قلناه ، لأجل إفادة أنّ الطائفتين داخلتين تحت نوع أو جنس واحد ، مشاركتين في الإنسانية والبشرية ولكن فُضِّلَ بعض أفراده على البعض الآخر منه ، وبذلك استطاعت الآية أن تحفظ شأن المرأة ومقامها وتفيد أنّ تفضيل الرجال عليها لا يوجب دخولهما تحت طبيعتين أو جنسين متغايرين بل هما مع الوحدة في النوع والجنس يختلفان في العوارض والخصوصيات وهذا النوع من التعبير شائع في القرآن الكريم . قال سبحانه : ( أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) . ( آل عمران / 195 ) . ثمّ إنّ مجرى هذا التفضيل الذي يخبر عنه سبحانه إمّا التكوين أو التشريع ، أمّا التكوين فيرجع إلى أمرين بهما فُضِّلَ الرجال على النساء ، وهو العقل والإدراك ، والقدرة والاستطاعة إذ لا شكّ أنّ عقول الرجال أكثر ، كما أنّ قدرتهم على الأعمال الشاقّة أوفر ، وليس هذا شيء ينكر ولو وجدنا هناك لفيفاً من النساء يفضلن على لفيف من الرجال في العقل والتدبّر أو وقفنا على نساء لهنّ المقدرة والاستطاعة البالغة على أعمال شاقّة فلا يكون ذلك ملاكاً لتفضيل النساء على الرجال فإنّ الملاك في القضاء هو الغلبة الساحقة والغالب على الرجال في مجال العقل والتدبير هو الزيادة على النساء فيهما ، ولأجل ذلك فيهم من العقلاء ما ليس فيهنّ كما أنّ مقدرتهم على الأعمال الشاقّة أكثر ، وبالجملة : الملاك المتوسطات من النساء والمتوسطون من الرجال . 1 - قال الشيخ الطوسي : « والمعنى الرجال قوّامون على النساء بالتدبير