الشيخ السبحاني
19
الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف
عصر نزول الآية ويسمع كلام اللَّه من فم الرسول صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم أو أصحابه ، فما يفهمه عند ذاك حجة بينه وبين ربه ، وليس له عند ذاك ، الركون إلى الاحتمالات والوجوه المختلفة التي ظهرت بعد ذلك الوقت . فلو عرضنا الآية على عربي بعيد عن الأجواء الفقهية ، وعن اختلاف المسلمين في كيفية الوضوء وطلبنا منه تبيين ما فهمه لقال بوضوح : إنّ الوضوء غسلتان ومسحتان دون أن يفكّر في أنّ الأرجل هل هي معطوفة على الرؤوس أو معطوفة على وجوهكم ؟ فهو يدرك بأنّها تتضمّن جملتين صرّح فيهما بحكمين : بدئ في الجملة الأولى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ بغسل الوجوه ثمّ عطفت الأيدي عليها ، فوجب لها من الحكم مثل حكم الوجوه لأجل العطف . ثمّ بدئ في الجملة الثانية وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ بمسح الرؤوس ثمّ عطفت الأرجل عليها ، فوجب أن يكون لها من الحكم مثل حكم الرؤوس لأجل العطف ، والواو تدلّ على مشاركة ما بعدها لما قبلها في الحكم . والتفكيك بين حكم الرؤوس وحكم الأرجل لا يحتمله عربي صميم ، بل يراه مخالفا لظهور الآية . 2 . التمسّك بروايات الغسل المنسوخة يظهر من غير واحد من الروايات أنّ غسل الرجلين كان سنّة أمر بها النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في فترة من عمره ، ولمّا نزلت سورة المائدة وفيها آية الوضوء والأمر بمسح