السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
92
فقه الحدود والتعزيرات
المرتدّ - كما هو الظاهر من التأمّل في جميع عبارته - فيكون كلامه دالّا على اشتراط أمر آخر في صدق الارتداد الفطريّ ، وهو لزوم تقيّد الشخص بالإسلام ومعرفة أحكامه بعد بلوغه ، وهذا أمر أخصّ من توصيفه الإسلام . ثمّ إنّه لو مات الأبوان أو المسلم منهما قبل بلوغ الولد أو كفرا وكان الولد نشأ بيد من كان عارفاً بالأحكام الإسلاميّة وتربّى تحت نظره ثمّ بلغ فأسلم فارتدّ ، فلا يبعد في كونه أيضاً مرتدّاً فطريّاً . وأمّا من انعقد وولد في حال إسلام أبويه أو أحدهما ثمّ ماتا أو مات المسلم منهما أو كفر المسلم منهما وبقي من دون أن يربّى تربية إسلاميّة بيد أحد أو نشأ في بلاد الكفر أو في مجتمع غير دينيّ أو في أسرة غير مقيّدة بالأحكام الشرعيّة ، فبلغ واختار الكفر بعد وصف الإسلام ، فالحكم بكونه مرتدّاً فطريّاً مشكل . ولإيضاح ما ذكرناه نذكر هنا مثالين ونقايس أحدهما بالآخر : الأوّل : إذا كان والدا شخص حين الانعقاد والولادة كافرين ثمّ أسلما وأخذا في تربية الولد بنحو أتمّ وأكمل طبقاً للإسلام ثمّ بلغ الولد واختار الإسلام ثمّ انحرف واختار الكفر ، مقتضى كلام فقهائنا أنّ هذا الشخص يكون مرتدّاً ملّيّاً فلا يقتل بلا استتابة . الثاني : نفرض ولداً آخر كان أبواه أو أحدهما حين انعقاده وولادته مسلماً ثمّ كفرا أو كفر المسلم منهما ، وجعل الولد ينشأ في الأسرة غير الإسلاميّة وتتكوّن شخصيّته تحت تربيتهما الإلحاديّة ، ثمّ بلغ مع وصف الإسلام ثمّ انحرف واختار الكفر ، فمقتضى كلام الفقهاء هو كونه مرتدّاً فطريّاً . فالسؤال هنا أنّه هل يقبل الاعتبار أن يقال : يقتل الشخص في المثال الثاني بلا استتابة ، ولا يقتل ذاك الشخص في المثال السابق إلّا مع الاستتابة ؟ وبالجملة تلخّص ممّا ذكرناه إلى هنا أنّه لا بدّ في صدق الارتداد الفطريّ من تحقّق أربعة قيود وشروط ، وهي : الأوّل : إسلام الوالدين أو أحدهما حين انعقاد نطفة الولد .