السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
284
فقه الحدود والتعزيرات
استعمالها ممّا يؤدّي إلى وقوع الجناية منه نوعاً ، فهو كالعامد ، وبين من يستعملها لا لمثل هذه الجهة بل لطلب اللذّة وغيرها من دون أن يكون عالماً بأنّ الاستعمال ممّا يؤدّي إلى وقوع الجناية منه نوعاً ولكن عند السكر تصدر منه الجرائم اتّفاقاً ، فليس كذلك . فمن الممكن أن نقول هنا : إنّ إرادة الأعمال الجنائيّة التي لا تحتاج إلى تركيز الفكر وإعمال الدقّة تتأتّى من السكران ، خصوصاً إذا كان الاستعمال طريقاً إلى ارتكاب الجناية وبصورة بشعة فضيعة ؛ وهذا بخلاف أمر الإسلام والكفر والعقود المهمّة كالنكاح وغيره ممّا يحتاج إلى إعمال النظر والدقّة . أمّا نظريّة فقهاء العامّة ، فقال ابن قدامة الحنبلي في شرح قول الخرقيّ : « ومن ارتدّ وهو سكران لم يقتل حتّى يفيق ويتمّ له ثلاثة أيّام من وقت ردّته ، فإن مات في سكره مات كافراً » ما هذا لفظه : « اختلف الرواية عن أحمد في ردّة السكران ، فروي عنه أنّها تصحّ . قال أبو الخطّاب : وهو أظهر الروايتين عنه ؛ وهو مذهب الشافعيّ . وعنه لا يصحّ ؛ وهو قول أبي حنيفة ، لأنّ ذلك يتعلّق بالاعتقاد والقصد ، والسكران لا يصحّ عقده ولا قصده فأشبه المعتوه ، ولأنّه زائل العقل فلم تصحّ ردّته كالنائم ، ولأنّه غير مكلّف فلم تصحّ ردّته كالمجنون . والدليل على أنّه غير مكلّف أنّ العقل شرط في التكليف ، وهو معدوم في حقّه ، ولهذا لم تصحّ استتابته . ولنا : أنّ الصحابة رضي اللَّه عنهم قالوا في السكران : إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فحدّوه حدّ المفتري . فأوجبوا عليه حدّ الفرية التي يأتي بها في سكره ، وأقاموا مظنّتها مقامها . ولأنّه يصحّ طلاقه فصحّت ردّته كالصاحي . وقولهم : ليس بمكلّف ، ممنوع ، فإنّ الصلاة واجبة عليه ، وكذلك سائر أركان الإسلام ويأثم بفعل المحرّمات ، وهذا معنى التكليف . ولأنّ السكران لا يزول عقله بالكليّة ، ولهذا يتّقي المحذورات ويفرح بما يسرّه ويساء بما يضرّه ويزول سكره عن قرب من الزمان فأشبه الناعس بخلاف النائم والمجنون . وأمّا استتابته فتؤخّر إلى حين صحوه ليكمل عقله ويفهم ما يقال له وتزال شبهته إن كان قد قال الكفر معتقداً له ، كما