السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
270
فقه الحدود والتعزيرات
إظهاره الإسلام في الظاهر وعدم تظاهره وإعلانه بخلافه مع العلم بأنّ الإكراه قد يوجب الإظهار الحقيقيّ . ولو كان اللازم هو التحقيق عمّا هو مكنون في قلوب الناس وتفتيش عقائدهم فيشكل الأمر حينئذٍ ، مع العلم بأنّ ذلك لم يكن معهوداً من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في صدر الإسلام . وقد مرّ في المسألة السابقة في عبارة السرخسيّ قصّة أسامة بن زيد ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم له : هلّا شققت عن قلبه ؟ فقال : لو فعلت ذلك ما كان يتبيّن لي . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : فإنّما يعبّر عن قلبه لسانه . « 1 » ورويت تلك القصّة في بحار الأنوار عن جامع الأصول بأسانيد عن أسامة بن زيد ، قال : « بعثنا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحرقات ، فصبّحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم ، فلمّا غشيناه قال : لا إله إلّا اللَّه ، فكفّ الأنصاريّ وطعنته برمحي حتّى قتلته ، فلمّا قدمنا بلغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال : لا إله إلّا اللَّه ؟ قلت : إنّما كان متعوّذاً . فقال : أقتلته بعد ما قال لا إله إلّا اللَّه ؟ فما زال يكرّرها حتّى تمنّيت أنّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم . » « 2 » إن قلت : قال اللَّه تعالى : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . . . » « 3 » وظاهره أنّ الدين ليس من الأمور القابلة للإكراه ، قلنا : من القريب أن يكون معنى الآية أنّ مع تبيّن الرشد من الغيّ والفساد من الصلاح والحقّ من الباطل بسبب تبيين المطالب الحقّة في الكتاب وفي كلمات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتاج إلى إكراه الناس على قبول دين الإسلام ، بل يقبله من لاحظ ذلك . وذلك نظير ما يقال في قوله تعالى : « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
--> ( 1 ) - راجع : المبسوط للسرخسيّ ، ج 10 ، ص 100 - جامع البيان ، ج 5 ، ص 304 - الدرّ المنثور ، ج 2 ، ص 200 . ( 2 ) - بحار الأنوار ، ج 21 ، صص 64 و 65 ، ذيل ح 12 . ( 3 ) - البقرة ( 2 ) : 256 .