السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

651

فقه الحدود والتعزيرات

والإبرامات الواردة ، كان منشؤها الغفلة عن ذكر الطريق الثالث لثبوت الجريمة ، أعني علم القاضي . وأمّا العامّة فقال منهم ابن قدامة الكبير : « وإن وجد سكران أو تقيّأ الخمر فعن أحمد : لا حدّ عليه ، لاحتمال أن يكون مكرهاً أو لم يعلم أنّها تسكر . وهذا مذهب الشافعيّ ، ورواية أبي طالب عنه في الحدّ بالرائحة يدلّ على وجوب الحدّ هاهنا بطريق الأولى ، لأنّ ذلك لا يكون إلّا بعد شربها ، فأشبه ما لو قامت البيّنة عليه بشربها . وقد روى سعيد ، حدّثنا هشيم ، حدّثنا المغيرة ، عن الشعبيّ قال : لمّا كان من أمر قدامة ما كان ، جاء علقمة الخصيّ فقال : أشهد أنّي رأيته يتقيّؤها ، فقال عمر : من قاءها فقد شربها فضربه الحدّ . وروى حصين بن المنذر الرقاشيّ قال : شهدت عثمان ، وأتي بالوليد بن عقبة ، فشهد عليه حمران ورجل آخر فشهد أحدهما أنّه رآه شربها وشهد الآخر أنّه رآه يتقيّؤها ، فقال عثمان : إنّه لم يتقيّأها حتّى شربها ، فقال لعليّ : أقم عليه الحدّ فأمر عليّ عبد اللّه بن جعفر فضربه ، رواه مسلم . وفي رواية له فقال عثمان : لقد تنطّعت في الشهادة « 1 » ، وهذا بمحضر من علماء الصحابة وسادتهم ولم ينكر فكان إجماعاً ، ولأنّه يكفي في الشهادة عليه أنّه شربها ولا يتقيّؤها أو لا يسكر منها حتّى يشربها . » « 2 » وقال عبد القادر عودة : « لا يعتبر القيء وحده دليلًا عند أبي حنيفة لكن إذا ثبت من القيء وجود رائحة الخمر وكان الجاني قد أخذ في حالة سكر أو شهد عليه شاهدان بالشرب ، فإنّ الجريمة تثبت عليه ، لأنّ أبا حنيفة - كما ذكرنا - يشترط مع الشرب ومع السكر الرائحة . أمّا الشافعيّ فلا يرى القيء دليلًا على الشرب ؛ لما سبق ذكره ، وهذا رأي لأحمد . أمّا مالك ، وهو يوجب الحدّ بالرائحة ، كما يوجبه أحمد في أحد رأييه ، فيجب

--> ( 1 ) - تنطّع في الكلام : تفحّص فيه وتعمّق . ( 2 ) - المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، ص 332 .