السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

507

فقه الحدود والتعزيرات

تمهيد : في عظم معصية شرب المسكر إنّ الشريعة الإسلاميّة وضعت أساس أحكامها على التحفّظ على العقل السليم ، ونهت عن الفعل المبطل للعقل أشدّ النهي . ومن أشدّ الأفعال المبطلة لحكومة العقل ومكانته هو شرب الخمر وسائر المسكرات . وقد لاحظت الشريعة الخمر وأضرارها العظيمة التي تعود على شاربها بصفة خاصّة ، وعلى الشعوب بصفة عامّة ، فحرّمتها تحريماً قاطعاً ، وبيّنت للناس من أوّل الأمر أنّ منافع الخمر - مهما يقال في منافعها - ضئيلة قليلة لا تتعادل مع أضرارها الجسيمة المضيعة للعقل والنفس والصحّة والمال . أمّا مضرّتها في الإدراك وسلبها العقل فممّا لا ينكره منكر ، وذلك أعظم ما فيه من الإثم والفساد ، ومنها تنشأ جميع المفاسد الأخرى ، وبهذه الملاحظة تعتبرها الشريعة أمّ الخبائث ، وأكبر الكبائر ، ومفتاح المعاصي ، ورأس كلّ إثم . وتصرّفها في أفكار الإنسان وجعلها غير منتظمة ، وتغييرها مجرى الإدراك حين السكر وبعد الصحو ، يستتبع مضرّات خلقيّة نفسانيّة ، كتشويه الخلق ، وتأدية الإنسان إلى الفحش والإضرار والجنايات والقتل وإفشاء السرّ وهتك الحرمات وإبطال جميع القوانين والنواميس الإنسانيّة التي بني عليها أساس سعادة الحياة ، وخاصّة ناموس العفّة ، فلا عاصم من سكران لا يدري ما يقول ولا يشعر بما يفعل ، وقلّ ما تتّفق جناية من هذه الجنايات التي قد ملأت الدنيا ونغّصت عيشة الإنسان ، إلّا وللخمر فيها مدخليّة مع الواسطة أو بلا واسطة .