السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

466

فقه الحدود والتعزيرات

سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى » « 1 » ، وذلك أنّ القوم جعلوا من الحبال كهيئة الحيّات ، وطلوا عليها الزيبق ، وأخذوا الموعد على وقت تطلع فيه الشمس ، حتّى إذا وقعت على الزيبق تحرّك فخيّل لموسى أنّها حيّات تسعى ، ولم يكن لها حقيقة ، وكان هذا في أشدّ وقت السحر ، فألقى موسى عصاه فأبطل عليهم السحر فآمنوا به . وأيضاً فإنّ الواحد منّا لا يصحّ أن يفعل في غيره ، وليس بينه وبينه اتّصال ، ولا اتّصال بما اتّصل بما فعل فيه ، فكيف يفعل من هو ببغداد فيمن هو بخراسان وأبعد منها ؟ ! ولا ينفي هذا قوله تعالى : « وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ » « 2 » ، لأنّ ذلك لا يمنع منه ، وإنّما الذي منعنا منه أن يؤثّر التأثير الذي يدّعونه ، فأمّا أن يفعلوا ما يتخيّل عنده أشياء ، فلا يمنع منه . ورووا عن عائشة أنّها قالت : مكث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ستّة أشهر ، وفي رواية أخرى أيّاماً يخيّل إليه أنّه يأتي النساء ولا يأتيهنّ ، وذكر تمام الحديث . وروى زيد بن أرقم قال : سَحَرَ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم رجلٌ من اليهود ، واشتكى من ذلك أيّاماً ، فأتاه جبرئيل فقال له : إنّ رجلًا من اليهود سحرك وعقد لك عقداً في بئر كذا ، فبعث عليّاً فأخرجه ، وكلّما حلّ منه عقداً وجد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم راحة ، فلمّا حلّ الكلّ فكأنّما نشط من عقال « 3 » ، وهذا نصّ . وهذه أخبار آحاد لا يعمل عليها في هذا المعنى . وقد روي عن عائشة أنّها قالت : سُحِرَ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فما عمل فيه السحر ، وهذا يعارض ذلك . » « 4 » ومن كلامه هذا ظهر آراء بعض فقهاء السنّة أيضاً في المسألة في الجملة ، ومن أراد الاطّلاع على أقوالهم أزيد من ذلك فليراجع مظانّ البحث في كتبهم . « 5 »

--> ( 1 ) - طه ( 20 ) : 66 و 67 . ( 2 ) - البقرة ( 2 ) : 102 . ( 3 ) - راجع : سنن النسائي ، ج 7 ، صص 112 و 113 ، وليس فيه قوله : « فبعث عليّاً فأخرجه » . ( 4 ) - كتاب الخلاف ، المصدر السابق . ( 5 ) - راجع : المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، صص 113 و 114 - الفقه على المذاهب الأربعة ، ج 5 ، صص 460 - / 470 - أحكام القرآن للجصّاص ، ج 1 ، صص 50 - / 72 .