السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
324
فقه الحدود والتعزيرات
والتنفيذ أخرى ، ولا يجوز للحاكم أن لا يستجيب لمقتضيات المصلحة العامّة أو النظام العامّ . وبذلك كلّه ظهر حكم التوبة في الجرائم التعزيريّة ، وأنّ للحاكم عند وجود المصلحة أن يعفو التائب والنادم عمّا يوجب التعزير من حقوق اللَّه تعالى ، مثل مفطر شهر رمضان عمداً من دون عذر ، وتارك الصلاة ، وآكل الربا ، ومن يحضر مجالس الفسق . وأمّا فقهاء السنّة فيرى منهم الشافعي أنّ إقامة عقوبات التعازير ، حقّ لوليّ الأمر وليست واجبة عليه ، وأساس هذا الرأي أنّ لوليّ الأمر أن يعفو عن الجريمة ، وأن يعفو عن العقوبة ، وكلّ ما يكون للإنسان أن يفعله أو يتركه ، فهو حقّه وليس واجباً عليه ، وذاك لما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أنّه قال : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلّا في الحدود » ، ولأنّ رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : إنّي لقيت امرأة ، فأصبت منها ما دون أن أطأها . فقال : أصلّيت معنا ؟ قال : نعم . فتلا عليه : « إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ » « 1 » . وحينما آثر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رجالًا ، هم المؤلّفة قلوبهم ، وهم ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاماً ضعيفاً ، فقال رجل اسمه معتب بن قشير وكان من المنافقين : « واللَّه إنّ هذه القسمة ما عدل فيها ، وما أريد فيها وجه اللَّه » ، فلم يعزّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إيّاه ، فلو لم يجز ترك التعزير ، لعزّره على ما قال . ورأى مالك وأبو حنيفة وأحمد أنّ إقامة عقوبات التعازير واجبة على وليّ الأمر ، ليس له أن يتركها ، إلّا إذا كان العفو خيراً من العقوبة ، فإذا اقتضت المصلحة العامّة أن يعفو عن جريمة بعد وقوعها ، أو عن عقوبة بعد الحكم بها ، كان له أن يعفو . وأساس نظريّتهم أنّ جرائم التعازير حرّمت وفرضت عليها العقوبات لمصلحة الجماعة ، فعلى الحاكم أن يعاقب على جرائم التعازير ، وأن لا يهمل إقامة هذه العقوبات ،
--> ( 1 ) - هود ( 11 ) : 114 .