السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

319

فقه الحدود والتعزيرات

الإمام بحقّ حدّ من حدود اللَّه في حقوق المسلمين ، فليس على الإمام أن يقيم عليه الحدّ الذي أقرّ به عنده ، حتّى يحضر صاحب الحقّ أو وليّه فيطالبه بحقّه . قال : فقال له بعض أصحابنا : يا أبا عبد اللَّه ! فما هذه الحدود التي إذا أقرّ بها عند الإمام مرّة واحدة على نفسه أقيم عليه الحدّ فيها ؟ فقال : إذا أقرّ على نفسه عند الإمام بسرقة قطعه ، فهذا من حقوق اللَّه . . . قال : وأمّا حقوق المسلمين ، فإذا أقرّ على نفسه عند الإمام بفرية ، لم يحدّه حتّى يحضر صاحب الفرية أو وليّه ، وإذا أقرّ بقتل رجل ، لم يقتله ، حتّى يحضر أولياء المقتول ، فيطالبوا بدم صاحبهم . » « 1 » وأمّا العامّة ، فإنّ المسلّم به عندهم أنّه ليس لوليّ الأمر حقّ العفو في جرائم الحدود ، والمبحوث عنه عندهم هو سقوط عقوبة الجرائم بالتوبة ، بالبيان التالي : قد اتّفق فقهاءهم على أنّ التوبة تسقط العقوبة المقرّرة لجريمة الحرابة ، إذا حدثت التوبة قبل القدرة على المحارب ، وذلك لقوله تعالى : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » « 2 » . ولكن اختلفوا في أثر التوبة على ما عدا هذه الجريمة ، ولهم في ذلك ثلاث نظريّات : الأولى : والقائل بها مالك ، وأبو حنيفة ، وبعض الفقهاء في مذهبي الشافعي وأحمد ، ومجمل رأيهم أنّ التوبة لا تسقط العقوبة إلّا في جريمة الحرابة ، لأنّ الأصل أنّ التوبة لا تسقط العقوبة ، فاللَّه تعالى أمر بجلد الزاني والزانية فقال : « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ » « 3 » ، وقال عزّ شأنه : « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما » « 4 » ، فجعل الجلد والقطع عامّاً للتائبين وغير التائبين .

--> ( 1 ) - وسائل الشيعة ، الباب 32 من أبواب مقدّمات الحدود ، ح 1 ، ج 28 ، ص 57 . ( 2 ) - المائدة ( 5 ) : 34 . ( 3 ) - النور ( 24 ) : 2 . ( 4 ) - المائدة ( 5 ) : 38 .