السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
251
فقه الحدود والتعزيرات
ومراعاة موازين العدل ، فإذا علمنا بكذب البيّنة أو الإقرار ، فكيف يكون لنا حجّة ؟ اللهمّ إلّا أن نقول بحجّيّة الإقرار وكذا البيّنة بنحو السببيّة والموضوعيّة ، كما حقّق في الأصول ، وهذا بعيد في الغاية ، وإن كان له بحسب التصوّرات الذهنيّة تصوير عقليّ . وكيف كان فإنّ المسألة محلّ تأمّل وإشكال ، فالمناسب أن يتعرّض الفقهاء في بحوثهم وكتاباتهم إلى مثل هذه الجهات ، حيث إنّ كثيراً منها من المسائل المبتلى بها في أيّامنا هذه إن لم تكن هي من مشاكل اليوم والساعة . وأمّا العامّة فذهبت منهم المالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يقضي الحاكم بعلمه في حدّ ولا غيره ، لا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها ، وهذا قول شريح ، والشعبي ، والأوزاعي ، وابن أبي ليلى ، وإسحاق ، وأبى عبيدة ، ومحمّد بن الحسن ، وهو أحد قولي الشافعي . وعن أحمد رواية أخرى بجواز ذلك ، وهو قول أبي يوسف وأبي ثور ، واختيار المزني ، وهو القول الثاني للشافعي في غير حدود اللَّه . وقال أبو حنيفة : ما كان من حقوق اللَّه ، كالحدود الخالصة له ، لا يحكم فيه القاضي بعلمه ، لأنّ حقوق اللَّه مبنيّة على المساهلة والمسامحة ، وأمّا حقوق الناس المدنيّة ، فما علمه القاضي قبل ولايته ، لم يحكم به ، وما علمه في ولايته ، حكم به . والمعتمد عند المتأخّرين من الحنفيّة - وهو المفتى به - عدم جواز قضاء القاضي بعلمه مطلقاً في هذه الأزمنة ، وذلك لفساد قضاة الزمان . قال ابن قدامة الكبير : « ولا يقيم الإمام الحدّ بعلمه ، روي ذلك عن أبي بكر . . . وبه قال مالك وأصحاب الرأي ، وهو أحد قولي الشافعي . وقال في الآخر : له إقامته بعلمه ، وهو قول أبي ثور ؛ لأنّه إذا جازت له إقامته بالبيّنة والاعتراف الذي لا يفيد إلّا الظنّ ، فبما يفيد العلم أولى . . . » « 1 »
--> ( 1 ) - المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، ص 191 ؛ وراجع أيضاً : ج 11 ، صص 400 - 403 - الفقه الإسلاميّ وأدلّته ، ج 6 ، صص 490 - 492 - كتاب الخلاف ، ج 6 ، صص 242 - 244 ، مسألة 41 .