الشيخ محسن الأراكي
42
نظرية الحكم في الإسلام
والمشكلة الثانية : أنّ العقد الاجتماعي لا يتصوّر فيه طرفان ، بل ليس له - في أفضل التقادير المتصوّرة - إلّا طرف واحد ، ومن هنا فهو لا يتمتّع بأدنى مقوّمات « العقد » وهو « الالتزام المتبادل » ، وتبادل الالتزام هو الأساس المقوّم للعقود . توضيح ذلك : أنّ قضيّة السلطة لا يتصوّر فيها طرفان : أحدهما المجتمع ، والآخر شخصيّة أخرى خارجة عن المجتمع ؛ يتبادلان الالتزام بينهما ، بل هناك شعب وسلطة منبثقة عنه لا تملك إرادة مستقلّة عن إرادة الشعب ، فكيف يتصوّر الالتزام المتبادل بين الشعب وبين سلطة لا تكون في أفضل صورها إلّا تمثيلا لإرادة الشعب نفسه ؟ ! والمشكلة الثالثة : أنّ العقد الاجتماعي إنّما يستمدّ فاعليّته وتأثيره من قاعدة « وجوب الوفاء بالعقود » ، ولكنّ السؤال الأساس عن هذه القاعدة نفسها ، وعن المصدر الذي تستمدّ منه هذه القاعدة شرعيتها ، وصفة الإلزام ( الوجوب ) التي تحكي عنها ! ! وبكلمة أخرى : ما هو العنصر الذي يضفي على العقد الاجتماعي الصفة التي يصلح بها لكي يكون أساسا لحقّ السلطة في إلزام الشعب بقراراتها وقوانينها ؟ إنّ العنصر الوحيد الذي يتصوّر فيه ذلك هو القاعدة المعروفة التي تقول ب « وجوب الوفاء بالعقود » ، لكنّ السؤال يعود عن القاعدة نفسها ، فمن أين اكتسبت شرعيتها ؟ وما هو المنبع الذي استمدّت منه صفة اللزوم والوجوب ؟ وما الذي يجعل من هذه القاعدة قاعدة لازمة الاتّباع والتنفيذ ، لكي تصلح مصدرا لحقّ السلطة في الإلزام ؟ لا يوجد أمام هذا السؤال غير فرضين