الشيخ محسن الأراكي

32

نظرية الحكم في الإسلام

المتبوعة أن تحتلّ الموقع الذي هي فيه دون الإرادة التابعة ! وما الذي سوّغ لفرد خاصّ أو لمجموعة خاصّة من المجتمع أن تحتلّ موقع السلطة في الكيان الاجتماعي دون الآخرين ، فيكون لها حقّ إلزام الآخرين بالانقياد لها دون العكس ؟ ! وبالإجابة على هذه الأسئلة الثلاث تتحدّد المواصفات التي لا بدّ من توفّرها في مصدر « الإلزام » لكي يتّصف ب‍ « الشرعية » ، فلا بدّ في مصدر الإلزام : أوّلا : أن يتوفّر على العلم الكامل بالحقّ والعدل ؛ علما مضمون الإصابة للواقع ، وبذلك تكون الإرادة الحاكمة قد توفّرت على إحدى أهمّ شروط الشرعية للإرادة الملزمة ، فلا بدّ للإرادة الحاكمة أن تكون عارفة بجميع مبادئ الحقّ والعدل بتفاصيلها ؛ معرفة مضمونة الإصابة . وثانيا : أن يكون مأمونا في تنفيذه لمبادئ الحقّ والعدل بتفاصيلها ، مضمون الإصابة في تطبيقها ، فلا بدّ إذن لمصدر الإلزام أن يكون على أعلى مستويات الأمانة في التطبيق والتنفيذ ، زائدا على المعرفة التفصيلية بمبادئ الحقّ والعدل . وثالثا : بتوفّر الإرادة الحاكمة على الشرطين السابقين تكون هي الأولى والأحقّ - في منطق العقل والوجدان - بالسلطة ، وتكون ذات شرعية في إلزام الآخرين باتّباعها والانقياد لها ؛ لما تتّصف به من العلم بمبادئ الحقّ والعدل وتفاصيلها ، والأمانة في مرحلة التطبيق والتنفيذ . وهذه الإحاطة العلمية بالحقّ والعدل المقرونة بالأمانة في مرحلة التنفيذ والتطبيق هو جوهر القدسية والحرمة ، أو « الشرعية » التي لا بدّ أن يتمتّع بها مصدر الإلزام . وعلى هذا الأساس يعتقد الفكر الإلهي أنّ مصدر الشرعية في السلطة هو « اللّه » سبحانه وتعالى ، وله تعالى - وحده - السلطة الشرعية ، ثمّ لعباده المصطفين من الأنبياء الذين بعثهم إلى الناس بمبادئ العدل والحقّ ، وأورثهم علم الكتاب الشامل لجميع ما يحتاج إليه الناس في إقامة المجتمع العادل السعيد ، وعصمهم عن الخطأ والزيغ في العلم