الشيخ محسن الأراكي
28
نظرية الحكم في الإسلام
أمّا القيم الأخلاقية فإنّها إنّما تتبدّد وتتلاشى على ضوء المذهب التعدّدي النسبي ؛ لأنّ القيم المضادّة جميعا - مهما بلغت من درجات القبح والسقوط - سوف لا تكون أبعد من الأخلاق من القيم الأخلاقية ذاتها ؛ ما دامت القيم الأخلاقية هذه تفقد المقاييس الذاتية الواقعية ، التي منها تستمدّ حسنها وصوابها . أمّا الاستبداد الفردي فسوف لا يكون رأي المستبدّ الفرد - على ضوء من المذهب التعدّدي النسبي - بأبعد من الصواب من الرأي الآخر ( وإن كان ممّا أطبقت عليه آراء الجماهير ) ؛ ما دام كلا الرأيين على نسبة واحدة من مقاييس الصحّة والصواب ؛ لانعدام مقاييس قبليّة للصحّة والصواب من الأساس . أمّا على ضوء التفكير الإلهي ؛ فإنّ العقل الإلهي - بإحاطته الكاملة ، وعصمته الذاتية - يصلح أن يكون المعيار القبلي الواقعي الكامل للقضايا العملية مطلقا ، ومنه تنطلق الإرادة الإلهية فتكون دائما موافقة للعدل والحسن والصواب ؛ لكونها دائمة الوفاق مع المعيار القبلي الواقعي الذاتي للحسن والعدل والصواب ، وهو العقل الإلهي . وعلى هذا الأساس فالوحي الإلهي ( المعبّر عن العقل الإلهي والإرادة الإلهية ) يكون هو المصدر الأوّل والأخير لشرعية الإرادة البشرية والقرار الإنساني ، وهو المقياس الذي به تقاس حقّانية الإرادة الإنسانية وصوابها - فردية أو اجتماعية - . الجهة الثانية : مصدر « شرعية السلطة » من ناحية عنصر « الإلزام » الإنسان الفرد هو صاحب السلطة على تصرّفاته وأفعاله الإرادية ، وإنّما يعتبر صاحب السلطة على تصرّفاته الإرادية الفردية لأنّه يملك الإرادة الموجبة التي لا تتخلّف عن مرادها إلّا إذا منعها مانع عن ذلك ، وهذه هي طبيعة الإرادة التي ينبثق منها الفعل الإرادي ، فإنّها تحتّم صدور الفعل الذي تعلّقت به ، وما لم تكن الإرادة